الدكتور محند أرزقي فراد معطوب الوناس معبود المتعطّشين إلى الديمقراطية والحرية والعدالة


      بمناسبة حلول ذكرى 19 لاغتيال الفنان الجزائري الأمازيغي المتميّز معطوب لوناس -رحمه الله-، بودّي أن أسجّل هذه الوقفة لأحاول تقديم صورة وافية عنه، تلقي الأضواء على هذه “الموهبة المتمرّدة” بدلالاتها الاجتماعية والأدبية والسياسية، التي تعلق بها الشباب إلى حدّ الجنون!. لذا ليس سهلا على المرء، أن يغامر بالكتابة الموضوعية عن معطوب لوناس “الرمز” المدافع بشراسة عن “كينونة” منطقة القبائل التي تشكّل فيها الثقافة الأمازيغية حجر الزاوية. فعندما يتعلق الأمر بالحديث عن “معبود” المتعطّشين إلى الديمقراطية والحرية والعدالة، فإن “مساحة العقل” تتراجع أمام اتساع “مساحة الانفعال” لدى الشباب. وهو الأمر الذي جعل البعض يفضلون السكوت، ولا يغامرون بتفعيل “الفكر النقدي” الذي يُنظر إليه بعين السوء.

*- لكن من النزاهة أيضا أن ينظر المرء إلى الوجه الآخر للقضية، فهل هناك “وجع” أشدّ على المرء من أن يرى لغة أمومته تُقصى في عقر دارها، وتجرّم كالأفيون يطالها ردع القانون؟ فمن أين لهؤلاء الشباب بعلاج “أزمة الهوية” بالمقاربة العقلانية، وقد تبنى الحكام في الجزائر موقفا “انفعاليا” رافضا للمطلب الأمازيغي؟ لقد خلص هؤلاء الشباب إلى قناعة مفادها، أن النجاح مرهون بتبني خطاب يوائم سياسة الحكام الإقصائية، فوجدوه في أغاني معطوب لوناس المشحونة بنقد لاذع شمل طبيعة الحكم القائم ومنطلقاته الفكرية على حد سواء.

*- نعم معطوب لوناس “موهبة متمرّدة” صنعتها مجموعة من العوامل عاشها في طفولته وشبابه وكهولته، أشار إليها في أغانيه ومذكراته، كأحداث ثورة نوفمبر التحريرية التي وُلد في خضمها، وموهبة أمّه في الغناء، والاصطدام المسلح بين حكومة أحمد بن بلة وحزب الأفافاس، وجثوم الاستبداد على صدر الجزائر ومصادرة استقلالها. بالإضافة إلى عوامل أخرى منها ظروفه الاجتماعية الصعبة التي ولّدت لديه جرحا نفسيا غائرا لازمه طيلة حياته. وهناك أيضا تأثّره ببعض الشخصيات السياسية المحلية، التي استغلت التزامه بالمسألة الأمازيغية، فقامت بتمرير رسائلها السياسية المتشدّدة عبر أغانيه.

*- لا شك أن المغني معطوب لوناس قامة سامقة، أعطى للأغنية القبائلية قيمة مضافة من حيث الكلمات والموسيقى والأداء. ورغم أنه لم يقصّر في محور الأغنية العاطفية وفي توصيف مكابدة الأشواق ومعاناة الصبابة بلغة بلاغية راقية- زادها جمال الموسيقى وحسن الأداء رونقا وسحرا- فإن شهرته مستمدّة من الأغنية السياسية الحاملة للمطلب الأمازيغي، والكاشفة لمظالم الاستبداد في الجزائر، والمبرزة لخيانة الحكام لقيم الشهداء، وتحويلهم رصيد الثورة إلى مجرّد سجل تجاريّ يحصدون به مكاسب ومغانم كثيرة، بمعية حلفائهم من المجتمع المدني والجمعيات والمنظمات الجماهيرية. فحتّى النشيد الوطني “قسما” صار على أيدي هؤلاء المخادعين مجرد وسيلة للمغالطة كما جاء في أغنية له بعنوان: “جزائر الغرور” أدّاها على أنغام النشيد الوطني قسما.

*- أمّا مسألة نقده للثقافة العربية الإسلامية فكان بمثابة “ردة الفعل” إزاء توظيفها لإقصاء المكوّن الأمازيغي، ولم يكن هذا النقد ناجما عن قناعة فكرية. علما أنه كان عاشقا بامتياز للفن الشعبي الجزائري(الحاج أمحمد العنقاء/دحمان الحراشي/ أعمر الزاهي…).فصحيح أنه أوحى في تصريح له بـ”فك ارتباطه” بالمكوّن الإسلاميّ، لكن يبدو أن ذلك التصريح كان ارتجاليا ناجما عن “نزوة الغضب” وليس عن تفكير، وبالتالي لا يعبّر عمّا وقر في قلبه، بدليل أن الكثير من أغانيه مشحونة بمسحة روحية وطافحة بمفردات ومصطلحات دينية إسلامية. وأكثر من ذلك فقد أنهى مساره بأغنية جاء فيها قوله: << لا إله إلاّ الله، مآلنا إلى الفناء والبقاء لله.>>، وهو ما يوحي بأنه نادم على خطأ ناجم عن “المزاجية” التي تجعل صاحبها لا يستقر على حال.

* – بالنسبة لطباع معطوب لوناس، كان يتحلى بالشجاعة إلى درجة ملامسة التهور، بدليل أنه لم يغادر أرض الوطن بعد تعرّضه للاختطاف من طرف جماعة مسلحة في أواخر سنة 1994م، وكان بإمكانه أن يلتجئ – بعد إطلاق سراحه- إلى إقامة نادي الصنوبر أو يستقر في فرنسا طلبا للحماية، لكنه لم يفعل. وكيف يفعل ذلك وهو العاشق لجبال منطقة القبائل وفراقها عصيّ عليه، وكيف يفعل وهو رمز الصمود بالنسبة لشباب المنطقة؟. ومن صفاته الحميدة أنه كان يتحلى بالكرم والسخاء والعطف على الفقراء والضعفاء، ولم ينبهر بالمال الوافر الذي أقبل عليه كالسيل العرمرم، وكأني به قد تأثر بالطريقة الصوفية الرحمانية، فنظر إلى الدنيا بعين الزوال. لكن من جهة أخرى تميّز بـ”المزاجية” جعلت لسانه مِقراضا حادّا طال خصومه، بل وحتى الأصدقاء أحيانا، سامهم سوء الذكر لبعض الوقت.
*- هذا وقد غادر معطوب لوناس الحياة وفي قلبه حسرة وفي حلقه غضة، متألما من تمزّق الصف وتراجع قيم النضال، ومن تغوّل الاستبداد، وتنامي الإرهاب. لكن إدراج الأمازيغية بموجب تعديلين في الدستور سنة (2002) لغة وطنية، ثم لغة رسمية سنة (2016)، يعتبر إنصافا لنضاله وتتويجا لجهوده الجبارة.

*- وكانت نهايته على يد جماعة مسلحة اغتالته يوم 25 جوان 1998م، وهو في طريقه إلى قريته “ثاوريرث موسى” بولاية تيزي وزو. ورغم رحيله المبكّر فإن ما تركه من رصيد غنائي متميّز، قد أعطى له عمرا ثانيا لا يفنى. وكانت جنازته من الأيام المشهودة في منطقة القبائل، حضرها مئات الألوف من المعجبين به، فضلا عن الحضور المكثّف لأهل السياسة والمجتمع المدني، وحضيت جنازته بتغطية إعلامية محلية ودولية واسعة. والجدير بالذكر أن المدير العام لمنظمة “اليونسكو” السيد فيدريكو مايور، قد كرّم المغني معطوب لوناس يوم 24 نوفمبر 1994م، تقديرا لفنّه الراقي، الذي وقفه لخدمة ثقافة أصيلة يهددها الزوال.

بقلم : الدكتور محند أرزقي فراد

Comments

comments