الزواف الجزائريين بين تزيف الحقيقة التاريخية والتزويف السياسي للموضوع


     لاحظت في الآونة الأخيرة كثرة الحديث عن الزواف بشكل كبير جدا ، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المدونات، لم أعر الأمر اهتماما في البداية لكن لما تبين لي كثرة المبالغة في تداول الموضوع والتزييف الواقع فيه ، فكرت في كتابة هذه الأسطر كمحاولة بسيطة  لتسليط الضوء على مسألة الزواف ، بهدف الاجابة على بعض الأسئلة التي يطرحها الكثيرين ومن بينها :من هم الزواف ؟ وما هي الظروف التي انضموا فيها الى فرنسا ، وهل هناك فرق أخرى غير الزواف واذا كان الجواب بنعم ! فلماذا يتم الحديث عن فرقة الزواف فقط دون غيرها ؟! وكيف يمكن قراءة دور هذه الفرق في سياق تاريخي ؟ ،و لماذا يثار هذا الموضوع الآن ؟ ….

     من المؤكد أنه يتعذر على الانسان فهم أي فكرة خارج سياقها التاريخي الحقيقي ولهذا كبداية لابد من العودة الى جذور المسألة والتي تعود الى فترة تواجد الاستعمار العثماني في الجزائر الذي استنجد به الجزائريين من أجل حماية المدن الساحلية التي كانت تتعرض لهجمات صليبية في بجاية و وهران و غيرها من السواحل الجزائرية فساعد الاخوة بربروس (عروج و خيرالدين ) الجزائريين في التصدي  للحملات الصليبة فتطور الأمر من _ حماية الى استيطان _ عثماني ثم استعمار عن طريق الاستغلال المادي وفرض ضرائب باهظة الثمن أثقلت كاهل الجزائريين  وكان العثمانيين قد أسسوا ما يسمى بقبائل المخزن التي كانت مهمتها جمع هذه الضرائب ولم تكن عبارة عن جزية طبعا ، وحتى لو كانت كذلك فهذا لا يجوز شرعا كون الجزية تفرض على غير المسلمين مقابل الحماية وتبطل مباشرة في حال انخراط “المحميين ” في الجيش حتى ولو كانوا غير مسلمين ، وكما يعلم الجميع فقد انخرط الجزائريون في الجيش العثماني وساهموا في الدفاع عن أرضهم أيضا ضد الحملات الصليبية .

     وأمام تسلط واستغلال العثمانيين للجزائريين وجبروت الجيش الانكشاري وسوء الأحوال الاقتصادية للسكان جائت ردة فعل الجزائريين بالتمرد على حكمهم وكانت هناك الكثير من الثورات ضد الحكم العثماني أهمها ثورات شيوخ الزوايا والمرابطين كثورة ابن الشريف الدرقاوي 1805م  وعائلة الأمير عبد القادر في الغرب الجزائري وابن الأحرش (1803-1804) و منطقة القبايل التي رفضت سياسية العثمانيين الاستغلالية كذلك فأسست لنفسها ما سمي بإمارة كوكو سنة 1509 من طرف أحمذ أولقاضي و كان لها استقلال ذاتي عن الجزائر العثمانية ويقول الدكتور حسني قيطوني أن المنطقة الوحيدة التي كان يسيطر عليها العثمانيين في منطقة القبايل هي قبائل الحضرة (جيجيل حاليا ).
وفي هذه الأثناء عمل العثمانيين على سياسية “فرق تسد” كأنجح وسيلة للسيطرة على الجزائريين واستغلال النظام القبلي الذي كان سائدا في تلك الفترة بضرب كل قبيلة بقبيلة أخرى حيث شكلت قبائل المخزن الموالية لها وكذلك فرق مرتزقة من الجزائريين تعمل لصالحها أهمها فرقة الصبايحية والزواف وهذا لأسباب عدة أهما الفقر و السياسة الاستغلالية و التناحر القبلي و فساد الجيش الانكشاري في تلك الفترة  الذي تمرد هو الاخر في الكثير من المناسبات .

معاهدة استسلام الداي حسين

معاهدة استسلام الداي حسين

      بعد حصار مدينة الجزائر  في 04 جويلية 1830 من طرف الفرنسيين قام العثمانيين بتسليم المدينة و من فيها بعد توقيع معاهدة استسلام الداي حسين في 05 جويلية 1830 بسهولة لم يكن الفرنسيون يتوقعونها و  لا حتى الجزائريين , و كانت هذه المعاهدة مقابل ضمان مغادرة الداي للجزائر مع أفراد عائلته و حاشيته، و لحق به جيشه الانكشاري فيما بعد ، كما  دفع الكونت دي بورمون لكل فرد منهم معاشا لمدة شهرين من غنائمهم التابعة لأموال الخزينة الجزائرية التي جمعها العثمانيين من الضرائب الباهضة المفروضة على الاهالي المستغلين والمقهورين لمدة 3 قرون . الجماعة التي تكلفت بحوار مع القائد الفرنسي دي بورمون كانت تتكون من نبلاء وأثرياء المدينة وهؤلاء فضلوا  الحفاظ على مصالحهم الخاصة فقرروا الاستسلام باسم أهل  الجزائر .

      بعد ذلك فكر قائد الحملة الفرنسية دي بورمون التوغل خارج العاصمة المحتلة ظنا منه أن الأهالي الجزائريين الذين ضاقوا ذرعا من التواجد العثماني سيفتحون أبوابهم لاستقبال الحكومة الجديدة بصدر رحب، وقد أرسل دي بورمون رسالة الى أسياده في فرنسا يخبرهم أن البلاد ستكون خاضعة له في غضون 15 يوما ، وطبعا كان ذلك ما سيعتقده أي شخص في مكانه بعد السقوط السريع لمدينة الجزائر بسبب تسليم الداي حسين القيادة العسكرية الى صهره إبراهيم باشا الذي قال حمدان خوجة أنه وجد مختبأ في دير مع بعض جنوده بعد الهزيمة ، أضف الى ذلك اعلان مصطفى بومزراق حاكم باي التيطري اعترافه بالسلطة الفرنسية (01)  وتبعه حسن باشا باي وهران باعلانه الاستعداد للتعاون مع السلطة الفرنسية وتغيير الحكومة وهذا قبل أن ترسل فرنسا قوات لاخضاعه ؟.

    وفي 23 جويلية 1830 خرج دي بورمون الى البليدة برفقة 1200جندي و100 فارس ومدفعيتين متفاخرا بقوته حتى تصادم بقوة أول مقاومة شعبية جزائرية بقيادة الزعيم أوزعموم أو ابن زعموم وهو كبير قبيلة فليسة في منطقة القبايل الحالية ، فانسحب دي بورمون الى العاصمة المحتلة في 25 جويلية من نفس العام مع جيشه المضطرب من هول المعركة وكانت النتيجة فقدانه ل60 جنديا  .(02) 

        تذكر وثيقة لنقيب فرنسي أحداث تلك المعركة التي جرت بين دي بورمون و الشيخ ابن زعموم القبائلي ويقول:
لما علم الحاج محمد بن زعموم بنية الجنرال القائد العام بالسير إلى البليدة ،كتب إليه من جديد ليثنيه عن عزمه،قائلا له، أنه بالرغم من الذهول الذي سببه انهزام الأتراك ،فإن العشائر الجبلية تستعد للقتال من أجل الدفاع عن وطنها وحثه على الامتناع عن التوغل في البلاد إلى غاية عقد معاهدة بالصيغة اللائقة تنظم علاقاتنا مع "العرب" .
لم يأبه السيد دي بورمون لهذه التحذيرات و لم يبال بها و سار إلى البليدة يوم 23 جويلية (1830) مع ما يتراوح بين 1000 و 1200 رجل من المشاة و مائة حصان و قطعتي مدفعية.لم يكن لهذه الجولة أي دافع سوى الفضول، ولم تكن لأية فكرة سياسية صلة بها . مر الرتل الصغير عبر جسر واد الكرمة،وتوقف للراحة مدة طويلة في بوفاريك... الواقعة في قلب وطن بني خليل، ووصل إلى البليدة في المساء و استقبل استقبالا حسنا من طرف السكان.
في اليوم الموالي لوحظ أن العرب و القبائليين كانوا يستعدون لمقاتلتنا.ففي الصباح أطلقت بعض الطلقات النارية على مجموعة استطلاعية أرسلت عبر طريق المدية.و لو أخفى العدو مشروعه بشكل أفضل لتمكن من ذبح كل الطابور لأنه (الطابور) لم يكن حذرا بالقدر اللائق.كان الطابور قد خيم عند أبواب مدينة أثارت فضول أفراده وتخلى كل الضباط و الجنود تقريبا عن مواقعهم للذهاب لزيارتها ، طالما أن الثقة كانت كبيرة.ولكن بعد أن أنذرتهم المظاهر الجزئية العدائية، هرعوا إلى عرباتهم.
    عند منتصف النهار قتل قائد سرية من قيادة الأركان بطلقة نارية، وراء سياج نباتي، حيث قادته الضرورة الطبيعية. على الساعة الواحدة صدر،الأمر بالرحيل.و بمجرد انطلاق الرتل،انقض عليه جمع غفير من العرب و القبائليين وقتلت نيرانهم الكثيفة الكثير من رجالنا.لحسن الحظ ،أن الجنرال هوريل Hurelالذي كان يقود الطابور ،تذكر أن الطريق الذي سلك بالأمس،كان غائرا ومحصورا على امتداد مسافة كبيرة ،فسلك طريقا آخر قادنا إلى السهل مباشرة .و لولا هذا الإلهام لكانت المصيبة أكبر. لم يجرؤ القبائل على المغامرة في السهل لأنهم لم يكونوا يتمتعون بغطاء طبيعي ،و مع ذلك طوردنا و جرى تعقبنا إلى غاية سيدي حايد على مسافة فرسخ وراء بوفاريك.قام خيالتنا ببعض الهجمات الناجحة و كان النظام دائما و لم ينفرط في الطابور على الإطلاق.لم يتوقف طابورنا عن السير منذ الانطلاق من البليدة إلى غاية سيدي حايد.
لقد أعطت سرعة سيرنا لانسحابنا مظهر فرار . قضى الطابور الليلة في بئر توتة .
لقد أصبحت القطيعة مع بن زعموم أمرا واقعا ولم تتجدد أية محاولة للتفاوض بعد ذلك .
كان بن زعموم في -الفترة موضوع حديثنا - يبلغ من العمر حوالي 70 عاما. "

       بعد هذه الهزيمة الغير متوقعة من الكونت دوبرمون و جنده , ذهب يفكر في اعادة ترتيب أوراقه وكان عليه أن يستفيد من خبرة سابقيه من العثمانيين الذين أحكموا قبضتهم على هذه البلاد لمدة 03 قرون , على سنة فرق تسد، وقد صادف أن وجد 500 جندي زواوي مرتزق مقيمين بالعاصمة ممن كانوا  يقدمون خدمات عسكرية للدايات , و  أصبحوا بدون عمل بعد رحيل أسيادهم  (العثمانيين), فقام دي بورمون بتوظيفهم بعد أن أضاف اليهم مجندين من الأهالي دون التفرقة في العرق , أو بين سكان المدن و الأرياف, عربا كانو أو قبايل أو كراغلة , وتم دمجهم كذلك مع جنود فرنسيين (الحراس السابقين لقصر الملك شارل العاشر + عناصر ثورة 14جويلية الذين كانو يجوبون شوارع فرنسا بالمظاهرات وكان عددهم يزداد كل يوم حتى هددوا الاستقار في فرنسا فقامت الحكومة الفرنسية بارسالهم الى الجزائر للعمل كمجندين في صفوف منظمة الزواف لابعاد خطرهم ) شكلوا الاغلبية في كتيبة أطلق عليها اسم les zouaves الزواف (03) ( شاهد ايضا الارشيف الفرنسي )

      في خظام الفوضى التي آلت اليها البلاد بعد سقوط النظام العثماني , واستسلام بعض الأقاليم , وتسارع بعض شيوخ القبائل الى تحقيق تحالفات مع السلطات الفرنسية الجديدة لضمان استمرار مصالحها الاقتصادية والسياسية , جرى كل هذا في فترة زمنية لم يكن الشعب الجزائري قد امتلك في ذهنيته فلسفة القومية الجزائرية , التي يأكد أغلب الباحثين أنها تشكلت بعد انتهاء القرن التاسع عشر , أي بعد ظهور الحركات الوطنية الاصلاحية السياسية والفكرية ، فقد ساعد انتشار نظام القبيلة والأعراش الذي كرسه الدايات الى استقطاب بعض المجندين الجزائريين الذين شكلوا مليشيات عسكرية عدة , استعملتها فرنسا لبسط نفوذها في البلاد وضرب المقاومات الشعبية ومن بين هذه الفرق والمليشيات  :

فرقة الزواف les zouaves :

      تشكلت فرقة الزواف أولا في العهد العثماني وحسب المؤرخ كرامون (GRAMMONT) فقد قام على بن احمد المدعوا علي خوجة بالاستلاء على الحكم بعد مقتل عمر أغا فيقوم بقتل 1200 جندي إنكشاري و 150 ظابط انكشاري كمحاولة منه لتقليص من سيطرة جيش الانكاشرية الذي عرف بالتمرد حتى اصبح على شكل دولة داخل دولة  فيقوم بتعويضهم بي 6 الاف جندي من الكراغلة  و2 الف جزائري من منطقة القبايل جندوا في الجيش العثمانية تم اسكانهم في مدينة الجزائر شكل بعضهم جيش المخزن وبعضهم فرقة الزواف التي التحق بها جزائريون من شتى المناطق فيما بعد ,وبعد سقوط مدينة الجزائر على يد الفرنسيين كان يتواجد فيها 500 جندي من فرقة الزواف من الذين كانوا يخدمون الاتراك , قامت فرنسا بتجنيدهم أضافة اليهم جنود فرنسيين مثلما سبق وذكرنا , و كان ذلك في عهد دي بورمون الذي تم عزله مباشرة بعد هزيمته على يد زعيم قبائل فليسة الأمازيغية وهو ابن زعموم , خلفه بعد ذلك الجنرال كلوزيل في سبتمبر 1830 وهذا الأخير أدرك فعالية المرتزقة الجزائريين ; فأسست كتيبتين للمشاة منفصلتين ،بحيث كانت كل كتيبة تضم  06 سرايا تضم في مجموعها 397 بين ضابط وجنود وكان ذلك بقرار مؤرخ في 01 أكتوبر 1830 ، تم اسناد قيادة الكتيبين الى كل من النقيب موميل Maumel و دوفيفيي  (04)

     وفي 07 مارس 1833,تم اصدار مرسوم يقرر ادماج الكتيبتين في كتيبة واحدة , بسبب تكرار هروب المجندين الجزائريين منه وهذا بعد الهزيمة التي تعرض لها جيش كلوزيل وزوافه خلال الحملة الثانية له في المدية بتاريخ 03 جويلية 1831 .

   تم اسناد هذه الكتيبة الى الضابط لاموريسيير Lamoricière , تم دعم هذه الكتيبة بجنود فرنسيين ليتشكل من 10 سرايا منها سريتان فرنسيتان و 08 سرايا من الأهالي الجزائريين (05)

     وكانت الكتيبة الأولى للزواف تتكون من 38 ضابط فرنسي و1245 جندي ، وكل سرية من السرايا الثمانية الجزائرية فيها 12 جندي فرنسي ، وكان تجنيد الأهالي الجزائريين يكون عن طريق التطوع في صفوف الزواف بعقد مدته 03 سنوات قابل للتجديد سنة واحدة بموافقة الجنرال ونائب المقتصد العسكري .

     وبعد مرور سنتين يقوم كلوزيل بتنفيذ حملته العسكرية على  مدينة معسكر فجاءت الأمرية  الملكية الصادرة بتاريخ 25 ديسمبر 1835 بتشكيل كتيبة ثالثة من الزواف وقد كانت الحامية العثمانية في مشوار تلمسان النواة الاولى للكتيبة الثالثة للزواف وذلك  حسب الأمرية الملكية الصادرة في 20 مارس 1837 ، وقد كانت الحامية العثمانية  قد تصدت لعدة حملات عسكرية للأمير عبد القادر  (06)  وفي 01 جانفي نجد أن الكتائب الثلاثة للزواف قد نشكلت في مجموعها حسب الوضعية التالية:

 الكتيبة الأولى والثانية بمدينة الجزائر وتتكون من 1024 جندي من بينهم 757 فرنسي و 267 من الأهالي.

الكتيبة الثالثة بوهران وتتكون من 263 جندي .

وقد بلغ مجموع الجنود في كل الكتائب 1287 جندي ، وقد كان الزواف يلبسون القميص العثماني ذو اللون الأحمر ويضعون فوق رؤوسهم الشاشية ويستعملون السيف كسلاح.

    وسرعان ما صارت فرقة الزواف تتكون من أغلبية فرنسية من المتطوعين البارسيين (07) حتى أصبحت فرقة الزواف متكونة من جنود فرنسيين فقط بعد اقصاء الاهالي منها وهذا سنة 1841 ، حتى أن الفوج التاسع للزواف تم أنشاءه في فرنسا من الجنود والمتطوعين الفرنسيين  (08) .

صورة لثكنة عسكرية لزواف فرنسين في باتنة

صورة لثكنة عسكرية للزواف فرنسيين في باتنة (مصدر الصورة https://goo.gl/images/CshS0Q)

 

هروب الجزائريين من منظمة الزواف :  

      يدعي المروجون لمسألة الزواف أن عددهم (الزواف) كان 15 ألف وأنهم من منطقة القبائل فقط ، وهذا ليس صحيحا ولا يوجد سند تاريخي له , أولا  ليس هناك مؤرخ ذكر أن عدد الزواف قد تعدي 4 ألاف والشئ الذي يجب معرفته هو أن منظمة الزواف بعد سنة 1841 أصبحت تتشكل من الفرنسيين فقط ولم يعد فيها أي جزائري لكن تم تشكيل كتائب من طرف دول أخرى في أروبا وأمريكا أطلقت عليها تسمية الزواف سنتكلم عنها لاحقا ، أما عن سبب هروب الجزائريين من منظمة الزواف الجزائرية فهذا لسوء معاملة الفرنسيين لهم وكذلك نبذ المجتمع حيث يقول شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله أسس الفرنسيون هذه الفرقة من الجزائريين ولكن أفرادها كانو يفرون منها بشكل جعل رئيس اللجنة الثانية (ديكازيس) يقول أن من بين 1144 شخصا لم يبقى سوى 363 . (09)

      ملاحظة : ديكاريس هو رئيس اللجنة الافريقية التي شكلتها فرنسا لمتابعة أحوال الجزائريين والجزائر .
ويقول كذلك  ” ومن جهة أخرى أنشأ كلوزيل فرقة مشاة من بعض الجزائريين المرتزقة سماها فرقة (الزواف) ، وذلك في أول أكتوبر 1830. وكان يطمح الى تكوين فرقة أخرى من الفرسان ولكن الهروب من الفرقة الاولى جعله يتوقف عن طموحه . وسنرى أنه حاول انشاء فرقة محلية (مليشيا) عند دخوله مدينة المدية .(10) 
كما ذكر المؤرخ الشهير أندري جوليان المعادي للاستعمار أن تزايد هروب الجزائريين من فرقة الزواف كان بسبب عدم دفع فرنسا لرواتبهم بالاضافة لسوء المعاملة وكذلك نبذ المجتمع لهم وقال أن أحد الجزائريين قام بحرق ابنه الزوافي حيا حين عاد الى المنزل لأنه تعامل من الصليبين . (11)
وأهم من ذلك ما ذكره لنا المؤرخ الفرنسي لورونسان بول (Paul Laurencin) في كتابه زوافنا (Nos zouaves) في سنة 1840 ، يقول أن أغلب الزواف الانديجان (عرب وقبايل) كانوا يقدسون الأمير عبد القادر ومع تأثير هذا الأخير تخلوا عن الراية الفرنسية وانظموا الى راية الأمير عبد القادر الاسلامية وقد استفاد الأمير عبد القادر من خبرتهم العسكرية وعينهم  كمدربين وكون بهم جيش عصري منظم على الطريقة الأوروبية لمقاومة الفرنسيين وقد كان يطلق عليهم اسم المنتظمون وهذا لشدة تنظيمهم و الحُمْرْ  بسبب لون برنوسهم الاحمر . (12) .

اقتباس النص من صفحة 26 / 27:

sous l'impulsion de ce personnage , l'émir Abd-el-kader, qu'Arabes et Kabyles vénéraient comme un saint, la plupart des zouaves indigènes avaient déserté le drapeau français pour se remettre sous l'étendard musulman . Abd-el-Kader en avait fait les instructeurs et les officiers de son armée . cet homme, qui nous haïssait alors ,avait su organiser a l’européenne les guerriers arabes si réfractaires a toute discipline, et il en avait formé un corps de troupe a pied a peu prés régulier que, pour celle raison ,on appela les régulier d’Abd-el-kader, comme la couleur de leur burnous avait fait donner a ses cavaliers le nom de Rouges
ملاحظة : من خلال الاقتباسات التي أوردناها سالفا حول هروب الجنود الجزائريين من منظمة الزواف , يتبين لنا أن دافع انخراط الجزائريين في ما سمي بالجيش الافريقي المكون من عدة كتائب (سنذكرها فيما بعد) , هو دافع استرزاقي فقط وليس دافع ايديولوجي أو سياسي , كما يريد أن يوهمنا بعض المروجين لموضوع الزواف في الجزائر, و خير دليل على هذا هو انقلابهم ضد فرنسا بعد ظهور قائد جزائري مؤثر حمل مشعل المقاومة وهو الامير عبد القادر .

الزواف الأجانب :

زواف البرازيل

زواف البرازيل

    لقد قلنا أن منظمة الزواف الجزائرية لم تعد تتكون من جزائريين بعد سنة 1841 , بل على جنود فرنسيين أوروبيين جندوا في الجيش الفرنسي وخير دليل على هذا هي الكتب الفرنسية التي تحدثت عن تاريخ الزواف في الجزائر على سبيل المثال لا الحصر كتاب :” الفوج الأول للزواف في الحرب الكبرى 1914 -1919 ” أو ” تاريخ الفوج الثالث للزواف خلال الحرب ضد ألمانيا 1914 – 1918 ” هذه الكتب نشرت قائمة اسمية لكل الزواف المشاركين خلال هذه الحروب , ولم يرد فيها أي اسم جزائري بل كلها أسماء أجنبية .
كما قامت دول أخرى بإنشاء كتائب للزواف بنفس لباس زواف الجزائر وهذا في كل من كندا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، دولة الفاتيكان ويطلق عليهم (Les zouaves pontificaux) ، والإمبراطورية العثمانية التي كانت لها أفواج باسم الزواف شاركت بها في الحرب العالمية الأولى  ، البرازيل .

فيديو لزواف بلجكيين  Malonne .

مساهمة منطقة القبايل في المقاومة عشية الاحتلال :

     اذا كان بعض أفراد منطقة القبائل قد انظموا الى منظمة الزواف مثلهم مثل الكثير من الجزائريين , و كل المصادر التاريخية تنفي أن يكون عدد مرتزقة الزواف من السكان الأصليين  قد بلغ أكثر من 4 آلاف , رغم ذلك يقوم أعداء الجزائر بتخوين منطقة القبايل بكاملها !!, فقط لأن مصطلح الزواف مقتبس من فرقة زواوة التي خدمت العثمانيين أو لأن بعض أفراد هذه المنطقة انضموا الى منظمة الزواف دون الأخذ بعين الاعتبار أن اسم منطقة القبايل في 1830 كان يمتد من تيبازة الى غاية جيجل فمصطلح القبايل أطلقه العثمانيين على كل سكان الجبال كما أطلق مصطلح الحضر على سكان المدن والحفص على سكان الحواضر التي بين المدن والجبال ، فان الدارس لتاريخ المقاومة الشعبية للجزائرين يدرك تماما أن سكان منطقة القبايل الحالية لم تسكن عن الثوران والتمرد ضد الاستعمر الفرنسي منذ أول يوم من نزوله في سيدي فرج ، فقد ورد في كتاب المؤرخ (Guiral Pierre) أنه في عشية الاحتلال 1830 أعلن مفتي الجزائر الجهاد على فرنسا فأرسل أحمد باي من الشرق 13 ألف جندي وأرسل باي وهران 6 آلاف جندي بينما أرسلت منطقة القبايل لوحدها 18 ألف جندي لردع القوات الفرنسية النازلة في سيدي فرج 1830  . (13)

      وقد أكد هذا الرقم المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله وقال أن شيوخ جرجرة قد جمعوا  لحسين باشا بين 16 ألف و 18 ألف محارب .(14)

لكن القائد والكولونيل الفرنسي (جوزيف نيل روبان Joseph Nil Robin) ( 1837_ 1918 ) الذي شارك في الحملة الفرنسية على مدينة الجزائر قدم لنا رقما اكثر من هذا وأكد لنا في كتابه الشهير ( notes historiques sur la grande kabylie de 1830 à 1838) أن منطقة القبايل وحدها أرسلت  25 ألف مقاتل لمحاربة فرنسا صائفة 1830 وهذا يعني ان منطقة القبايل هي المنطقة التي قدمت أكبر عدد من المقاتلين لمقارعة الانزال الفرنسي في سيدي فرج مقارنة بي باقي المناطق في الجزائر وهذا النص المترجم مقتبس من الكتاب : “
من الصعب التقدير ، لكن بالنظر إلى قوات (الآغا براهيم ) التي وظفها ضدنا في معركة ( سطاوالي ) والتي تقدر بحوالي خمسين الف مقاتل ، وبالنظر لما قدمه باي قسنطينة وباي التيطري ووهران الذين لم تتجاوز مشاركتهم ألفي مقاتل ، مع الأخذ بعين الإعتبار الأعداد القادمة والمنسحبة ، وصلنا إلى تقدير عدد مقاتلي القبايل الذين غادروا قبائلهم وديارهم لنجدة الجزائر (صائفة 1830) على الأقل 25.000 مقاتل ، إنه جهد كبير جدا باعتبار أن هذا العدد يمثل [ عشر سكان الجزائر] أنذاك .

عندما وصلت القوات القبائلية إلى حسين باشا ( داي الجزائر أنذاك) رفع صوته بالتهليل والتكبير ابتهاجا وتعظيما لتلك القوة ،ووعدهم بالأسلحة والذخيرة والمؤونة الغذائية .

القبائل تعاونوا مع باي قسنطينة ( الحاج أحمد) قرب برج الحراش ، وهم قناصة مميزون ، ويستخدمون السلاح عن حب ، إنها القوة التي أذهلتنا في دفاعاتها عندما اجتاحت جيوشنا أرض الجزائر 

وكما يعلم الجميع فقد سلم الداي حسين قيادة الجيش الى صهره الآغا إبراهيم وقد كان عاجزا على آداء مهمته، وأكثر من ذلك فقد قدم 10 رصاصات فقط  لكل جندي كي يحارب بها الجيش الفرنسي الذي نزل في سيدي فرج ؟ . (15)  

      كان ابراهيم آغا قد استلم نقودا من الداي حسين لتوزيعها على المحاربين بغرض تشجيعهم ولكنه لم يعطي أحدا منهم شيئا ؟ . (16)
ويقول شيخ المؤرخين كذلك : ” وفي اليوم الذي نزل فيه الجيش الفرنسي في سيدي فرج لم يكن هناك لا مدافع ولا خنادق ، ولم يكن هناك لدي الاغا ابراهيم أكثر من 300 فارس . وكان باي قسنطينة لا يملك الا عدد قليلا من المحاربين . أما باي التيطرى فقد كان مازال في عاصمة اقليمه (المدية) ولم يصل الا بعد أيام من نزول الجيش الفرنسي . أما جيش اقليم وهران فلم يكن بعيدا عن سيدي فرج وكان تحت قيادة خليفة الباي .وكان باي التيطري قد وعد الباشا 20 الف فارس ، منهم 10 الاف برماحهم ، ولكنه حين وصل الى الميدان لم يأت معه بأكثر من ألف رجل .
هذه القوات كانت مجتمعة في معسكر" اسطاويلي " وكان الاغا ابراهيم مع فرقة من سكان متيجة وأخرى من أهالي جرجرة . (17)
تجدر الاشارة الى أن أول هزيمة للجيش الفرنسي خارج العاصمة التي احتلها  كانت في البليدة وكان زعيم المقاومة هناك هو محمد او زعموم أو مجمد ابن زعموم وهو من قبيلة فليسة (Iflissen) من منطقة القبايل فلم ينتظر سكان منطقة القبايل وصول الجيش الفرنسي الي ديارهم فشكلوا قوات انتقلت الى متيجة لردع جيوش الاحتلال .

صورة بتاريخ 1900 لاحد المحاربين من قبيلة فليسة . منطقة القبايل .

صورة بتاريخ 1900 لأحد المحاربين من قبيلة فليسة ،منطقة القبايل لباسهم يختلف تماما عن لباس الزواف العثماني .

مقاومة إبن زعموم :

        هو كبير قبيلة فليسة في منطقة القبايل وزعيمهم وقد كانت هناك منطقة بين تيزي وزو  و بومرداس تسمى لعزيف نزعموم , اتصل بالفرنسيين في بداية احتلالهم لمدينة الجزائر ومثل نفسه كزعيم القبائل الجبلية وطلب من الفرنسيين الاكتفاء بمدينة الداي حسين وعدم التفكير في التوغل خارج المدينة ولما خرج دي بورمون من العاصمة هاجمه ابن زعموم مما دفع بقوات الاحتلال الى التراجع نحو العاصمة  في المعركة التي ذكرناها سالفا ، قدم بن زعموم فيما بعد ولائه للأمير عبد القادر و عينه الأمير خليفة له على منطقة القبايل لكن ابن زعموم رفض ذلك تواضعا فتم تعيين نائبه أحمد بن سالم كخليفة للأمير عبد القادر في منطقة القبايل  .

مقاومة ابن سعدي :

       كانت ثورته خلال حكم الجنرال بيرتيزن الذي خلف الجنرال كلوزيل ، وكانت مقاومته في اقليم متيجة ومنطقة القبايل زحف الى العاصمة بعد أن انضم اليه الكثير من المقاوميين ، فقام بمعركة عنيفة مع الفرنسيين انتهت بانهزام الغزاة وفرارهم الى العاصمة فتم حصارهم مما دفع بالفرنسيين الى ابرام معاهدة معه تقضي بالحفاظ على مكاسب كل واحد منهم مع فتح التجارة مع أهل متيجة .

       رفع سكان منطقة القبايل من وتيرة الغارات على الفرنسيين مما دفع الحاكم روفيغو في الدخول في مفاوضات مع ابن سعدي مرة أخرى كادت أن تجح لو لا أن رجال ابن سعدي القوا القبض على وفد شيخ العرب فرحات بن سعيد الذي جاء الى العاصمة لاعلان ولائه للفرنسين حين تم قتل معظم رجال هذا الوفد من طرف ابن سعيد ، مما استأنف القتال لكن ابن سعيد كان منهك القوة لذا تراجع ليتحصن في المناطق الجبلية ثم انضم الى قوات الامير عبد القادر . (18)

أحمد بن سالم  :

     هو خليفة الأمير عبد القادر في منطقة القبايل وأهم مساعد لابن زعموم وكان أحد أغنياء المنطقة  لكنه ترك ثروته كلها في سبيل الجهاد والمقاومة ، انضمت الي قواته فيالق محمد بن عيسى البركاني بأمر من الأمير عبد القادر بعد سقوط مدينة المدية ، استطاع بن سالم تنظيم المقاومة بعزمه وذكائه الذي ظهر في احدى خطابه على المقاتلين حين قال ”  لا تنخدعوا أيها الجزائريون، ولتعلموا أن فرنسا دولة قوية ، وما أرسلت قواتها العسكرية الى هذه البلاد إلا لكي تخضعنا جميعا لسيطرتها ، وما أنا إلا مواطن مثلكم . وربما لم تسمع عني فرنسا أبدا  . الوسيلة الوحيدة لايقاف هؤلاء الغزاة هي أن تقاتلوهم متحدين وبدون هوادة .. وأن تعاقبوا الخونة الذين ارتضوا الذل واستسلموا . (19)

      ولم تقتصر مقاومة سكان منطقة القبايل في نواحي العاصمة فقط بل حتى في الشرق مع أحمد باي لحماية مدينة قسنطينة من الفرنسيين فقد استعان أحمد باي بشخصية بارزة في تاريخ الحملة الفرنسية على الشرق الجزائري وهو بن عيسى ابن منطقة زواوة الذي جلب معه 2000 زواوي لحماية قسنطينة والمحاربة الى جانب أحمد باي ضد فرنسا وقد قام أحمد باي بتعين بن عيسى بايا وأخذ هو منصب الباشا.
في المعركة الأولى في قسنطينة 1836 ترك أحمد باي بن عيسى لحماية المدينة وهذا لأنه أكثر من وثق به خاصة وأن أحمد باي كان له خصوم كثر في قسنطينة وأرسل بن عيسى مساعده وقائد المعركة السي الحاج محمد البجاوي وهو من منطقة القبايل أيضا الى المعركة وقيل أنه  اسشهد فيها .
ويقول ابو القاسم سعد الله  “… كما ان ولاء ابن عيسى وأضرابه جلب اليه أهل زواوة الصغرى والكبرى بجيشهم القوي وصمودهم المثالي ،وقد اعاد الحاج احمد على ضوء ذلك تنظيم الادارة والجيش والمالية والنزاحي ولقب نفسه بلقب الباشا  (20)
يقول كذلك “ وأخيرا حارب ابن عيسى الفرنسيين في كل من عنابة وقسنطينة ، حتى لقد شهد له خصومه انه كان الشعلة في الدفاع عن المدينة الاولى (عنابة) سنة 1932 ضد اللقيط يوسف والضابطبن دارماندي ودوزي ، وعن المدينة الثانية (قسنطينة) سنة 1836 و1837 ضد كلوزيل ودامريمون وفاليه . وقد أضهرت حروب ابن عيسى انه كان يمثل الحزب الوطني رغم انه كان يدافع عن الحاج أحمد الذي كان يمثل الحزب الوطني العثماني في الجزائر ،ونسب إليه بعض الفرنسيين أنه قال سنة 1832 أن حسين باشا لو عاد الى الجزائر فسنعتبره رجلا عاديا ، ولكن اذا حاول فرض حكمه فستقطع رأسه لانه تركي (21)

لقد انتشرت المقاومة في كل منطقة القبايل حتى أن المؤرخ الفرنسي (Mahe, Alain)  قال ما ترجمته” كان سحر الدين الاسلامي هو الدافع الاول لتلك المعارك التي كانت بين 1830 -1857 وكان أساس هذه المعارك راجع الى مقاومة الزواويين (منطقة القبايل ). (22) 

      وذكر نفس المؤرخ  أن القبائل أو الأعراش في منطقة القبايل كانت تتنافس فيما بينها على محاربة ومقاومة الجيش الفرنسي ،أي أن الجهاد  عندهم كان من الشهامة والفخر و السجية التي تتنافس الأعراش على كسبها . (23)

     كما جاء في كتاب” القبايل الكبرى ” لضابط فرنسي اسمه دوماس تكلم على لسان أحد الجواسيس في منطقة القبايل يقول ” أن طلاب زاوية ريفية تقع ناحية جامع الصهاريج بمنطقة القبايل ، وهي زاوية سيدي عبد الرحمن، شكلوا فيما بينهم فرقة من الفدائيين، وان عددهم بلغ  600 أو 700 طالب ، وكلهم يجيدون القراءة والكتابة ، كما أنهم مدربون على القتال ومسلحون بالبنادق والسيوف الطويلة والعصي الحديدية “(24)

      و شهد الكولونيل لونوبل بذلك حين ذكر ” أحد الضباط الفرنسيين شرح لنا في كتابه الذي ألفه عن تاريخ منطقة القبايل ، الأسباب التي جعلت جيش بيجو لا يستطيع أن يتقدم الى الأمام للقبض على الأمير عبد القادر سنة 1837 وذلك ” لأن عبد القادر كان تحت حماية 1500 رجل من أبناء القبايل ”  (25)

    وليس رجال منطقة القبايل فقط من قاوموا الغزاة بل حتى نساءهم وفي هذه القصة المؤثرة يتجلى لنا أي نوع من النساء في جبال جرجرة وهذا فيما ذكره الجنرال دوماس في كتابه حين قال : ” في سنة 1844 سئل رؤساء منطقة القبايل لماذا دافعوا بضراوة عن قراهم ضد جيش كامل قاده الجنرال بيجو بنفسه فأجابوا : كنا مستعدين أن نستسلم بعدما شهدنا ذلك الجيش الجرار ، إلا أن نسائنا اللواتي سَاءَهُنَ مَيْلُنَا إلى الصلح أقسمن اليمين على أن يخرجن عن طاعتنا إذا لم ندافع عن أنفسنا مهما يكن من أمر ”  (26)

      كما لا يخفي على أحد أن أغلب جند الأمير عبد القادر كانوا من سكان منطقة القبايل  فقد زار منطقة القبايل لمرتين وأثنى عليهم كثيرا في مذكراته وقد عين خليفة له في منطقة القبايل كاد أن يحرر العاصمة سنة 1838 ، وهو عبدالرحمن أوسالم.
يقول Mahe, Alain أن الأمير عبد القادر قد زار منطقة القبايل بعد أن جلبه ممثلو الأعراش في منطقة القبايل فكانت الزيارة الأولى له في المنطقة سنة 1839 والثانية سنة 1845 وعلى عكس الكثير من القبائل في مناطق أخرى في الجزائر التي قام الأمير بمحاربة شيوخها المتحالفين مع الاستعمار فقد سارعت منطقة القبايل للجهاد تحت رايته وعين الأمير عبد القادر سنة 1835 خليفة له هناك وهو الحاج علي بن  سعدي . (27)

   وطبعا لا داعي للحديث عن ثورة لالة فاطمة نسومر التي هزمت الجنرال راندون المدجج بأحدث الاسلحة آنذاك وبجيش جرار قوامه 45 ألف جندي من أجل القاء القبض على إمرأة ، أو الشريف الأمجد (بوبغلة) و الشيخ الحداد الذي كان في عمره 80 سنة حين خرج من المسجد في بجاية رمى بعصاه على الارض وبدأ خطبته على الناس بقوله ” سنرمي بفرنسا في البحر كما رميت عصاي على هذه الى الارض ” فتاريخ هؤلاء معروف للجميع  هؤلاء الرجال من منطقة القبايل يعرفهم القاصي والداني .

دور منطقة القبايل في الحركات الوطنية السياسية :
لم تخلوا أي جمعية، أو منظمة ، أو حزب وطني يدافع عن الجزائر أيام “الجزائر الفرنسية” التي فرضها الاستعمار من تواجد مناضلين من منطقة القبايل فقد كان تمثيلهم قوى في جمعية العلماء المسلمين التي ترأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس الصنهاجي الأمازيغي ومن بين أبرز الأعضاء من منطقة القبايل عبد العزيز بن عمر، الشيخ الورتلاني، وكذلك في حزب الأمير خالد و الحزب الشيوعي لكن أكبر تمثيل للمناضلين الزواويين كان في الحزب الاستقلالي ” نجم شمال افريقيا ” الذي تأسس سنة 1926 في فرنسا من طرف 26 مناضل جزائري كان من بينهم 11 مناضل كلهم من منطقة القبايل وهم كل من ” أيت تودرت ،أعمر أماش ،بنون أكلي ، بوطويل ، اسعد حسان، جفاي ،ايفور محمد،كوفي أرزقى ، لمو بن محمد، سي لجيلالي ، بوشفى صالح .
تجدر الاشارة الى حزب نجم شمال افريقيا هو الحزب الوحيد والأول الذي طالب بالاستقلال الكلي للجزائر واسترجاع السيادة الوطنية ولما نعود الى تاريخ تأسيسه 1926 نجد أن فكر هذا الحزب كان تقدميا حتى على الكثير من الحركات التحررية في العالم كله  آنذاك.
وقد تم تعين مصالي الحاج كرئيس لهذا الحزب بعد حملة الاعلام الفرنسي ضده (الحزب)  حيث كانت تسميه الصحف الفرنسية ” بنجم القبايل ” (L’Etoile Kabyle ) وهذا لزرع فكرة لدي الجزائريين أنه حزب خاص بسكان منطقة القبايل فقط بسبب أغلبية أعضائه الزواويين ، وكل هذا لغرض منع جزائريو المناطق الأخرى من الانخراط فيه واعطاء صفة الجهوية لهذا الحزب الذي أزعجت مطالبه الاستقلالية السلطات الفرنسية منذ بداية تأسيسه ، وكخطوة لمحاربة هذه الاتيكات التي وضعتها فرنسا قام أعضاء  الحزب بترشيح مصالي الحاج من تلمسان كزعيم لإعطاء صورة وطنية لهذا الحزب لجلب المناضلين اليه من كل ولايات الوطن ، لكن أغلبية مناضليه من منطقة القبايل تم فصلهم  خلال ما سمي بالأزمة البربرية وهذا بعد اجتماع مجموعة من المناضلين المحسوبين على المنطقة  في  (لاربعا ناث ايراثن) سنة 1947 طالبوا من خلاله رئيس الحزب أن يفتح لهم النقاش حول مسالة الهوية الأمازيغية واعطاء الضوء الأخضر للعمل المسلح ، وهو الشئ الذي رفضه مصالي الحاج بعد تأثره بأفكار منظر القومية العربية شكيب أرسلان وقد زادت حدة النقاش والاختلاف أكثر سنة 1949 فقرر الحزب بفصل كل الأعضاء المنتمين الى التيار الأمازيغي الذي أطلق عليهم اسم ” البربريست ” وتم اغتيال بعضهم أيضا مثل لعيمش علي .

مساهمة منطقة القبايل في الثورة المسلحة :
بمجرد عودة كريم بلقاسم من الخدمة الاجبارية في الجيش الفرنسي سنة 1947 الى قريته في” اعلالن ” في ذراع الميزان بتيزي وزو شارع في تنفيذ عمليات توعوية سياسية في المنطقة بين الشباب ثم  تنفيذ عمليات عسكرية ضد الخونة وبعض الثكنات العسكرية برفقة صديقه أوعمران وبعض المجاهدين فتم اصدار حكم الاعدام غيابيا عليه قبل اندلاع الثورة المجيدة .
واذا كان عدد العقداء خلال الثورة المجيدة هم 29 عقيد فان 21 منهم  من منطقة القبايل فقط وهم كل من ” أوعمران، علي زعموم ، محمدي السعيد الذي طالب مساعدة الألمان لطرد فرنسا من الجزائر ، عبد الرحمان ميرة , علي ملاح محمد قائد الولاية السادسة الذي قتل بعد تحريظ الخائن بن شريف السعيدي الذي خطط مع فرنسا،  ضده وثلة من المجاهدين بالقول لبعض الأغبياء بأنهم جاءوا من منطقة القبائل لإستعمارهم ونسوا الإستعمار الفرنسي ،سي محمد بوقرة ، محند ولحاج . إيزوران ، عميروش آيت حمودة. كريم بلقاسم  ، سليمان دهليس ، محمد  بوداود ، دون احتساب السياسيين مثل عبان رمضان و اوصديق، حسين أيت احمد أو المسؤولين أمثال ديدوش مراد وياسف سعدي اللذان ترجع اصولهما الى منطقة القبايل .
كذلك نجد أن سكان منطقة القبايل الذين تمت عملية طبع ونسخ بيان اول نوفمبر 1954 بعقر دارهم في ايغيل إمولا قد مثلوا أكثر من ولاية ثورية من الولايات الستة التاريخة وهي كالتالي : كريم بلقاسم، محمدي السعيد ، عميروش آيت حمودة، عبدالرحمن ميرة، محند ولحاج، مسؤولون على منطقة القبائل (الولاية الثالثة ) ، ثم ديدوش مراد أول مسؤول على الشمال القسنطيني (الولاية الثانية)، ثم عمر اوعمران، سليمان دهيليس، سي صالح زعموم وسي محمد بوقرة مسؤولون على مايحيط بالعاصمة ( الولاية الرابعة)، ثم علي ملاح أول مسؤول على الصحراء ( الولاية السادسة)، كما نجد العقيد قاسي وكذلك إيزورانن ونذكر أيضا ياسف سعدي مسؤول المنطقة الذاتية للعاصمة وهو من عزازقة مثل ديدوش مراد.
ولا ننسى فضل منطقة القبايل على حل الخلاف الذي وقع بين مجاهدي الولاية الاولى بعد استشهاد قائدها الرمز مصطفى بن بولعيد بارسال عميروش ايت حمودة اليها لحل ذلك الخلاف وحتى معركة الجزائر كانت من تخطيط عبان رمضان الذي قال في مؤتمر الصومام المنعقد في منطقة القبايل 20 أوت 1956 ” عملية عسكرية واحدة في المدينة افضل لي من 100 عملية في الجبال ” .
بعد كل هذا يخرج علينا بعض الجزائريين بمشروع فشلت فرنسا في تطبقيه متمثل في محاولة تشويه منطقة القبايل في نظر الجزائريين ويتهمون هذه المنطقة الأبية التي قدمت خيرة شبابها من أجل الجزائر باتهام أهلها بالخيانة ؟

لمذا التركيز على تشويه منطقة القبايل ؟ .
محاولة تشويه منطقة القبايل في نظر إخوتهم الجزائريين ليست وليدة اليوم ،يقول البرفسور الجزائري المؤرخ والباحث رابح لونيسي أن هذه المنطقة التي أطلقت حولها العديد من الإشاعات قد ذهبت ضحية موقعها الجغرافي ، وليس لأنها تتحدث الأمازيغية لأن الكثير جدا من مناطق الجزائر تتكلم الأمازيغية،و لأن موقعها قريب جدا من العاصمة أو السلطة المركزية، فمنذ أن اختار العثمانيون “الزاير” نسبة إلى مؤسسها بولوغين بن الزيري الصنهاجي الأمازيغي، وليس الجزائر كما يريد إيهامنا المشارقة بأنها مجموعة جزر، ولا أعلم اين هي موجودة أصلا ، فموقع منطقة القبائل قرب العاصمة أو المركز أدى إلى إدراك السلطة  منذ الفترة العثمانية إلى اليوم أن أي ثورة يقوم بها سكان منطقة القبائل معناه السقوط السريع  للسلطة الحاكمة إذا وقفت معها المناطق الأخرى، ولهذا فمن الضرورة عزلها ، فتتحالف السلطة المركزية مع المناطق الأخرى ضدها، و منه برزت كل الدعايات و الصور المشوهة  لسكانها، فكان ذلك منذ العثمانيين الذين كانوا يقولون عنهم أنهم “كفارا” لقلب الآخرين عليهم بسبب رفضهم دفع الضرائب الإستغلالية والمهينة للسلطة العثمانية، ومورست نفس السياسة في العهد الإستعماري، خاصة بعد ما وضع بوجو تعليماته لقادة الجيش عام 1844، يحذر فيها بالخصوص من سكان المنطقة الذين وصفهم بمحاربين أقوياء ومتعصبين دينيا، وقد تنبه الإستعمار إلى ذلك على يد حمدان خوجة العثماني في تقريره إلى اللجنة الأفريقية التي أنشأتها السلطات الإستعمارية عام 1834، وتأكد من خطورة هذا الموقع الجغرافي عندما كاد  القبائلي الطيب أوسالم خليفة الأمير عبدالقادر من تحرير العاصمة عام 1838، وانتهجت نفس السياسة بعد إسترجاع الأمة الجزائرية إستقلالها، فموقعها الإستراتيجي القريب من المركز هو الذي جعلها عرضة لكل التشويهات في إطار سياسة فرق تسد لا أكثر ولا أقل، ولو جاء سكان الغرب الجزائري مثلا هم سكان هذه المنطقة لوقع لهم نفس التشويه .

    يقول كذلك أن رفض مجاهدي الداخل الذين ينحدر أغلبيتهم من منطقة القبايل لمجاهدي جيش الحدود بزعامة بن بلة – بومدين بعد الاستقلال وتمرد منطقة القبايل بقيادة الزعيم التاريخي حسن آيت احمد على حكم بن بلة 1963 هو الذي جعل النظام بن بلة وبومدين ينشرون الدعايات  ضد منطقة القبايل لعزل أفكارهم عن الجزائريين .

وهذا الفيديو يلخص الكلام وفيه رئيس الجمهورية المؤقتة بن يوسف بن خدة يحذر الجزائريين من استيلاء جيش الحدود على الثورة التي لم يشاركو فيها.

.

       ونحن نرى كذلك أن هذا الأسلوب قد استمر مع بعض الاسلاميين الذين نراهم يروجون اليوم لمسألة الزواف في الجزائر لغرض تشويه منطقة القبايل التي خرجت في مظاهرات حاشدة في التسعينيات تطالب بانقاذ الديمقراطية من الاسلاميين والتطرف الديني ، وبعد الانقلاب الذي حصل سنة 1992 وانتهاء العشرية السوداء التي كلفت الجزائر ربع مليون قتيل عاد بعض الاسلاميين القابعين في بريطانيا لمهاجمة منطقة القبايل بمسألة الزواف للانتقام منها على مواقفها الرافضة لمشروع أفغنة الجزائر واعتبر أن الديمقراطية كفر كما كان يصرح به بعض كوادرهم ، فمنطقة القبايل من بين أكبر المناطق في الجزائر التي حاربت الخطاب الديني المتطرف و بالمقابل قدمت للجزائر خيرة علماء الدين الاسلامي الوسطي .

 

الجيش الافريقي :
قد يطرح البعض عن سبب تكلم هؤلاء المروجين لدعاية الزواف حول مرتزقة فرنسا الزواف المنخرطين في هذه المنظمة فقط دون غيرهم من الفرق الكثيرة التي شكلتها فرنسا ضمن ما سمي بالجيش الافريقي مثل الميهاريست ، الخيالة العربية ، الڤومية ، القناصة  والرماة الجزائريين ..وحتى تجنيد شيوخ وقواد القبائل لخدمة فرنسا، خاصة أن أكبر الكتائب التي انضم اليها الجزائريين بكثرة هي كتائب الصباحية التي كانت تمثل جهاز الشرطة التابع لفرنسا والمتشكل أساسا من الجزائريين عكس كتيبة الزواف التي قلنا أنها اقتصرت على الفرنسيين  والأروبيين فقط ابتداء من 1842 والتي كانت تتشكل في اغلبيتها من فرنسيين ؟
السبب الوحيد هو أن هذه الفرق لم ترتبط باسم زواوة مثل الزواف فقد أعادت فرنسا تشكيل فرقة الصبايحية التي كانت في عهد العثمانيين مباشرة بعد سقوط العاصمة وقد ساهم في نشأتها يوسف المملوك الذي سيترقى الى جنرال ويلقب بي أب الصبايحية وهذا بعد موافقة كلوزال على اعادة انشاء هذه الفرقة في 8 اكتوبر 1830 .

فرقة الصبايحية  les spahis algérien :

كتائب الصبايحية (السبايس )

كتائب الصبايحية (السبايس )

index-28

الرماة الجزائريين ………… الصبايحية الجزائريين …………الموريسكيين الجزائريين

    كان الجزائريون يلقبونها ب ” السبايس ” في عهد العثمانيين و التي تعني الخيالة بالتركية ، قامت فرنسا بإستحداثها سنة 1830 ، تتكون هذه الفرقة من عرب و كراغلية الجزائر التحقو بالخدمة العسكرية في بادئ الأمر خلال سلك القناصة الجزائريين ثم سرعان ما قامت فرنسا بجعل الصبايحية فرق دائمة حيث وزعت على الشكل التالي :

تأسيس كتيبة الصبايحية النظامية الأولى بمدينة الجزائر بتاريخ 10 أكتوبر 1834 تضم 4 سرايا  من تأسيس الجنرال فوارول تم اسناد قيادتها الى الجنرال يوسف المملوك .

تأسيس كتيبة الصبايحية النظامية الثانية في عنابة 10 جوان 1853 تضم سريتين .

تأسيس كتيبة الصبايحية النظامية الثالثة في وهران بتاريخ 12 أوت 1836 تضم 4 سرايا .(28)

بعد 02 جويلية 1845 ازداد الاقبال على فرق الصبايحية فشكلت فرنسا ما عرف بأفواج الصبايحية وهي :

الفوج الأول للصبايحية  الجزائريين في الجزائرالعاصمة   1er régiment de spahis algériens

الفوج الثاني للصبايحية الجزائريين في وهران  2e régiment de spahis algériens

الفوج الثالت للصبايحية الجزائريين في عنابة 3e régiment de spahis algériens

وقد كان يشترط على الجزائريين الذين يودون الانضمام الى فيالق أو أفواج الصبايحة آداء القسم على القرءان الكريم بالدفاع عن فرنسا ورغم هذا فقد شاركت هذه الفرق في احتلال الكثير من مدن الجزائر .

ولمزيد من المعلومات عن الصبايحية يمكنكم زيارة هذا الموقع  alger-roi.fr

فرقة الڤومية  Les goumiers algériens  :

هي فرقة عسكرية من الجزائريين أسسها الجنرال مصطفى بن اسماعيل لتحارب مع الفرنسيين ضد المقاوميين الجزائريين وخاصة مقاومة الأمير عبد القادر في الغرب الجزائري ،تتشكل فرقة القومية أساسا من قبائل الدوير والسميلة التي كانت تقع في سهول مليطة بالجنوب الشرقي لمدينة وهران حيث عقدت تحالف رسمي مع الفرنسيين متمثل في اتفاقية 1835 (29)  .

مصطفى بن اسماعيل

مصطفى بن اسماعيل

عرض الاغا خدمته على الفرنسيين في أوت 1830 لكن الفرنسيين رفضوا في بادئ الامر لأنهم لم يفكر في انشاء ملشياة من الاهالي أول نزولهم في الجزائر ، وبعد الهجوم الاول على وهران اتصلو به فقبلوا خدمته ، وقد ضمت قبائل الدوير والسميلة كل فرسانها لخدمة فرنسا فيما يسمى بالشرطة المسلحة بالأقاليم المعترفة بالسلطة الفرنسية فقد ذكرت الكتب الفرنسية أن مصطفى بن اسماعيل قد شارك في معركة الزقاق ب 400 فارس ڤومي الى جانب الجيش الفرنسي وكان من أسباب هزيمة جيش الأمير عبد القادر في هذه المعركة . (30)  ، كما شارك مع الجنرال كلوزيل في احتلال مدينة معسكر بي 500 فارس و 800 جمل محمل بالمؤونة . (لمعلومات أكثر عن تاريخ هذه الشخصية في الارشبف الفرنسي alger-roi.fr ) .

أما في الشرق الجزائري فقد شكلت فرنسا فرق قومية أخرى بزعامة شيخ العرب البسكري بن ڤنة المتحالف مع القائد الفرنسي غالبو الذي قدم العديد من الهديا لبن ڤنة مكافئة له على محاربة الأمير عبد القادر  واخضاع المناطق الجزائرية التي تمردت على الفرنسيين . (31)

تجدر الاشارة الى أن فرقة الڤومية بقيت تمارس مهما الى غاية اندلاع الثورة المجيدة 1954 و أسمها بقي في الذاكرة الشعبية الجزائرية يدل على الخيانة عكس مصطلح الزواف الذي عثرنا عليه فاجئة في كتب التاريخ الفرنسية ! .

القناصة الجزائرية  Les chasseurs Algériens :  

تشكلت فرقة القناصة الجزائرية بموجب الأمرية الملكية التي نصت على تشكيل فرقة الزواف بصفة رسمية في 21 مارس 1830 و خصصت نفس الأمرية بتشكيل فرقة القناصة الجزائرية ، فتشكل الفوج الأول منه في العاصمة والثاني في وهران  في 16 نوفمبر 1831 والثالث في عنابة  06 جانفي 1833 ، كان يضم جنود جزائريين ومعمرين فرنسيين  وقد وصل عدد أفواج فرق القناصة الجزائرية الى 06 أفواج سنة 1887 .

فرقة الرماة الجزائريين Les tirailleurs algériens

جندي من فرقة الروماة في وهران 1840

جندي من فرقة الروماة في وهران 1840

     تم تأسيس هذه الفرقة بشكل رسمي بموجب الأمرية الصادرة بتاريخ 27 ديسمبر 1841 والتي نصت بتأسيس فيلق للرماة الجزائريين في كل من وهران والعاصمة وقسنطينة حيث يحمل كل فوج اسم المقاطعة التي أسس فيها ، تشكل من الكراغلة المتواجدون في كل من العاصمة ومستغانم ، عنابة ، قسنطينة، وهران  (32).

    وكانو معروفون بلباسهم التركي الازرق اللون ، شكلت فرنسا اربع كتائب من سكان القليعة والبليدة (33)،كما تم تشكيل عدة كتائب من الروماة الجزائريين من قبائل الدويل والسميلة في وهران سنة 1840. (34)

شيخ العرب فرحات بن سعيد : 

   هو أول حليف للفرنسيين في الشرق ضمن ما يسمى بشيوخ العرب المتحالفين مع فرنسا ، إنضمت القبائل الموالية لفرحات بن سعيد للقتال الى جانب فرنسا بعد أن قام أحمد باي بعزله من قيادة القبائل الصحراوية للشرق الجزائري ، وقد تحالف مع الدوق الفرنسي روفيغو  لمحاربة أحمد باي في قسنطينة ، خرج فرحات بن سعيد على رأس جيش يتكون من ألف فارس انضم اليه الكثير من سكان اقليم قسنطينة وهذا للتحالف مع دامريمون  Damrémont الذي كان يحاصر مدينة قسنطينة في 01 أكتوبر 1837 ، فنزل شيخ العرب فرحات بن سعيد عند قبيلة أولاد عبد النور ينتظر أوامر سيده دامريمون ، وبعد مقتل هذا الاخير من طرف مقاومة أحرار قسنطينة يقوم خليفته فالي بمراسلة فرحات بن سعيد يدعوه الى الحضور للتعاون ويشكر القبائل الموالية للفرنسيين على تعاونها (35)

شيخ العرب البسكري بن ڤنة :

شيخ العرب محمد الصغير بن قنة

شيخ العرب محمد الصغير بن قنة

فرسان بن قنة في خدمة الجيش الفرنسي

فرسان بن قنة في خدمة الجيش الفرنسي

حارب بن ڤنة خليفة الأمير عبد القادر في اقليم الزاب  , و هو الحسن بن عزوز حيث يذكر المؤرخون الفرنسيون أن بن ڤنة قام بقطع 500 زوج من آذان السكان المتحالفين مع خصمه بن عزوز خليفة الأمير عبد القادر وبعث هذه الآذان الى الجنرال غالبوا Galbois  الذي كافئه  على هذا العمل الشنيع ضد أهالي ميزاب , بتسليمه 50 ألف فرنك فرنسي وهدايا كثيرة كما قلده بوسام الشرف .(36)

نشير فقط الى أن بن ڤنة يكون خال الحاج أحمد باي وقد حارب الى جانبه في بادئ الأمر لكنه سرعان ما انقلب على ابن اخته ليتحالف مع الفرنسيين .

في سنة 1849 كلفته السلطات الفرنسية بجمع شيوخه وقادته لمحاصرة ثورة الزعاطشة من الناحية الجنوبة وهذا لما كان الجنرال هيربيون Herbillon يحارب  أتباع الشيخ بوزيان في واحة الزعاطشة.  (37)

أضن أن الخطاب الذي وجهه بن قنة الى سيده الوالي العام في 18 مارس 1871 كفيل لنعرف حجم الولاء الذي يكنه لاسياده الفرنسيين حيث قال ” لقد بدأنا نخدم الحكومة الفرنسية في الجزائر وحتى ولو لم يبق من يمثلها في الجزائر إلا شخص واحد ومن رعاياها ، فسوف نظل له خاضعين خضوعا تاما . وقد علمنا أن محمد بن أحمد المقراني تمرد على الحكومة الفرنسية ، فمهما يكن من أمره فإننا سنفصل عنه منذ هذا اليوم ، وسنحاربه كما لو كنا فرنسيين “. (38)

فرقة الميهاريست  Compagnies méharistes sahariennes :

وهي فرقة مشكلة من الجزائريين تمركزت أساسا في المناطق الداخلية والصحراوية في الجزائر وفي بلدان افريقية أخرى من مستعمرات فرنسا .

 

     وقد يصعب علينا فهم المسألة أكثر حين نشاهد بعض الفيديوهات من الأرشيف الفرنسي , تتحدث عن علاقة بعض الجزائريين بالادارة الفرنسية أو بالأحرى الاستعمار الفرنسي, فهل يحق لنا اليوم أن نتهم سكان المدن (العاصمة، مستغانم، وهران ، عنابة ) التي خرجت منها حشود كبيرة من الناس سنة 1958, أي بعد أربع سنوات من اندلاع الثورة الجزائرية لمناصرة المعمرين وفرنسا , رافعين شعار الجزائر الفرنسية ، حتى ان بعض الجزائريات قمن بحرق حجابهن (الحايك) للتعبير عن مساندتهن لمطلب المعمرين المتمثل في الجزائر الفرنسية كما يظهره هذا الفيديو ؟!

الفيديو مقتبس من الفلم الوثائقي “حينما كانت الجزائر فرنسية ” الذي عرض على القناة الفرنسية M6:

Quand l’Algerie était française – 1830-1962

خلاصة القول , أن الخطاب التحريضي ضد مناطق محددة في الجزائر هو ما سعى الاستعمار الفرنسي و العثماني من قبله الى تكريسه , وقد عاد بعض الجزائريين الى الترويج له عن قصد أو عن جهل، ونحن نقول أن هؤلاء المحرضين ضد منطقة القبايل إنما هم الزواف الجدد  ,فما هو الفرق بين الحركات الانفضالية التي تريد تمزيق الجزائر وبين الذين يتهمون منطقة بكاملها بالخيانة ؟ مما يدفع سكان هذه المنطقة الى الارتماء في أحضان هذه الحركات الانفصالية !!

   هناك مصلحة مشتركة بين الحركات الانفصالية و الاسلاميين المحرضين ضد منطقة القبايل ,كلاهما يسعيان الى دفع المنطقة نحو التطرف والمطالبة بالانفصال , لتخلوا الجزائر للخطاباتهم الدينية المتطرفة, والعصبية القومجية مثلما شهدناه في التسعينيات, و الغريب حينما تشاهد شخصيات جزائرية متخرجة بشهادات جامعية وبعضهم بعنوان ” دكتوراه” لكن كل صفحات كتبهم خطابات تحريضية  !

      سيكون على عاتق مثقفينا اليوم حمل الجزائر الى بر الأمان و التصدي للخطاب الذي ينشر التفرقة والتشرذم بين الشعب الواحد, كما يتوجب على الشعب الجزائري أن يدرك أن زمن الفكر الشمولي  والأحادي قد ولى, وعليه ان يتقبل الفكر الآخر المخالف دون تعصب،شرط أن يكون كل الولاء للجزائر فقط ، ولا يجوز في أي حال من الاحوال التهجم على منطقة ما لمجرد اختلاف فكري معها على حساب وحدة الوطن .

و ان كان أغلبية الزواف الجزائريين قد تركوا الراية الفرنسية سنة 1840 للانضمام الى راية الأمير عبد القادر الذي استفاد من خبرتهم وشكل منهم جيش نظامي ، فقد تكرر ذلك و سجل لنا التاريخ أن الكثير من الجزائريين الذين خدموا الاحتلال الفرنسي في اطار التجنيد الاجباري قد استفادت الثورة الجزائرية من خدماتهم وتضحياتهم ، فأغلب شخصيات الثورة الجزائرية  أمثال بن بلة وكريم بلقاسم وغيرهم كانوا يحاربون مع فرنسا والكثير منهم استشهد في صفوف المجاهدين  وخير مثال على ذلك علي خوجة (1933-1956) الذي هرب من الخدمة الالزامية برتبة ملازم ومعه بعض الرفقاء مدجيجن بالسلاح حيث قلب أمن الفرنسين الى رعب في كمين بالسترو  .

      وإذا فضل أمثال الباشاغا بوعلام الجزائري المسلم محاربة الثورة الجزائرية الى جانب الجنرال أوساريس، فقد عرف تاريخ ثورتنا المجيدة شخصيات فرنسية وأروبية مسيحية فضلت أن تقاتل الى صف بن مهيدي وعبان فقدم الكثير منهم الغالي في سبيل تحرير الجزائر أمثال موريس أودان ، آني ستاينر، روبرتو مونيز، فليكس كويوزي ،بيير شولي …

      قد يكون لبعض الخونة ضروفهم التي دفعتهم الى الانخراط في صفوف جيش الغزاة لكنهم يبقون خونة في ذاكرة الشعب إلا أن الاعمال بخواتمها ، والتاريخ سجل لنا أنه ليس هناك من متر مكعب من أرض الجزائر المقدسة الا  و إرتوت بدماء أهلها المقاوميين .

بقلم : صامت مصطفى

المراجع : 

(01) Général  Du  Barail : Mes Souvenirs, Tome.1, (1820 – 1851) 6ème édition, éditeur : Librairie Plon (E–Plon Nourrit et Cie Imprimeurs), Paris 1894, p.49

(02)  Gouvernement  Général  de  l’Algérie : Correspondances du Duc de Rovigo, Tome.1, éditeur : Typographie Adolphe Jourdan (Imprimeur de l’Université), Alger 1914 , p.5

(03) Huré Robert (Général): L’Armée d’Afrique 1830-1962,  Ed: Charles Lavauzelle,  Paris 1977, p. 20

(04) Duvivier (Commissariat Générale du Centenaire de l’Algérie: L’Armée d’Afrique 1830-1930

(05) Juin  Oclan : Le livre  d’or  des tirailleurs indigènes de la Provence d’Alger, éditeur : Librairie Bastide, Alger 1866, pp. 5-6

(06) Duruy Victor : Le 1er Régiment de Tirailleurs Algériens (Histoire et campagnes), éditeur : Librairie Hachette et Cie, Paris 1899, p.4

(07)    Lespes. : Les troupes indigènes au service de la France éditeur imprimerie Minerva – Alger 1928 . p .10

(08) .موقع musee-infanterie.com للارشيف الفرنسي .

(09) histoire de l’algérie contemporaine charles andré julien. p. 67

(10) أبو القاسم سعد الله . الحركة الوطنية الجزائرية .ص 37

(11)       Julien (Charles   Andrée) : Histoire de l’Algérie contemporaine, 2ème édition conquête et   colonisation 1827–1871,éditeur : Presse Université de France (P.U.F)  Paris 1964,p. 66

(12)     Nos zouaves par Paul Laurencin, 1888 . p 26 / 27

(13) Guiral (Pierre). Les militaires à la conquête de l’Algérie (1830-1857) . p 63

(14) أبو القاسم سعد الله. محاضرات فى تاريخ الجزائر الحديث. ص 39 

(15)  نفس المرجع . ص 38

(16) نفس المرجع . ص 42

(17) نفس المرجع  . ص 40 

(18) د/ يحي بوعزيز : ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر و العشريين ط 1 ، دار البعث قسنطينة 1980،ص ص 126/ 13

(19)   مصطفى الاشرف : الجزائر -الامة والمجتمع – ترجمة حنفي بن عيسى، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1983.ص 123

(20) أبو القاسم سعد الله . الحركة الوطنية الجزائرية .ص 141

(21)   نفس المرجع .ص 143

(22)  Mahe, Alain, Histoire de la Grande Kabylie. XIXe -XXe siècles. Anthropologie  p 161

(23) Mahe, Alain p 163 

(24) مصطفى الاشرف . نفس المصدر ص ص 121-122

(25)  مصطفى الاشرف . نفس المصدر  ص 121

 (26) مصطفى الاشرف . نفس المصدر  ص 121

(27)  Mahe, Alain  p 163 

(28)   Julien (Charles   Andrée) : Histoire de l’Algérie contemporaine, 2ème édition conquête et   colonisation 1827–1871, éditeur : Presse Université de France (P.U.F)  Paris 1964, p.274

(29)   Julien , p.279

(30)   Paul Azan : Conquête et pacification de l’Algérie, éditeur : copyright, la librairie de France Paris 1929, p.107

(31) Julien, p.279

(32) Lespes. R (Capitaine en Retraite) : Les troupes indigènes au service de la France éditeur imprimerie Minerva – Alger 1928, pp.19-20

(33) Duruy   Victor   :   Le   1er Régiment de Tirailleurs Algériens (Histoire et campagnes), éditeur : Librairie Hachette et Cie, Paris 1899, p.4

(34)   Paul   Azan : Les grands soldats de l’Algérie, publication  du comité national métropolitain du centenaire de l’Algérie, Orléans 1930, pp. 39-40

(35) G.G.A :  Correspondances  du  Maréchal  Valée  1ere série, par Georges Yver, éditeur : (édition larose), Paris V.1949, pp. 15-16

(36)   Paul Azan : l’Emir Abdelkader, éditeur : Librairie Hachette et Cie Paris 1925

(37) د/ يحي بوعزيز : ثورات الجزائر ص 64

(38)   Louis Rinn: Histoire de l’insurrection de 1871 en Algérie, Ed: Adolphe Jourdan, Alger 1891, p.184

 

 

Comments

comments

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *