الثقافة الامازيغية للمغاربة جذور وتحولات

الهوية الثقافية المغاربية الجذور والتحولات التاريخية – للمؤرخ رابح لونيسي .


     إن الإنسان الجزائري خاصة والمغاربي عامة هو أمازيغي الجذور، وقد كانت هويته الثقافية قبل الإسلام هي هوية أمازيغية، لكنه كان متفتحا على العالم ويتأثر ويؤثر، فمثلا تأثر بالتجار الفنقيين الذين كانوا يجوبون البحر المتوسط لتسويق سلعهم، ومنها سواحل البلاد المغاربية، ونتيجة لتفاعله مع هؤلاء التجار أصبح الإنسان المغاربي يتحدث لغة ثانية إلى جانب الأمازيغية، وهي اللغة البونيقية، وكانت هذه الأخيرة مزيجا بين الأمازيغية والفنيقية، وكانت تنتشر خاصة في السواحل على عكس الجبال والبوادي، وقد نشأت البونيقية في البلاد المغاربية بسبب التبادل التجاري على السواحل بين هؤلاء التجار الفنيقيين والأمازيغ، فأخترعوا لغة مزيجة من لغتيهما لتسهيل التعاملات بينهما، خاصة وأن التعامل كان يتم بالمقايضة بين سلع التجار الفنقيين ومنتوجات الأمازيغ، ورأى بعض الباحثين بأن نفس المناطق التي تأثرت بالفنيقية، وتتحدث بالبونيقية هي التي تعربت بسهولة بعد إعتناق الأمازيغ الإسلام .

كما تأثر الأمازيغ بالرومان لكن بشكل ضئيل، ويعود ذلك إلى محاولات الرومان رومنة الأمازيغ بكل الوسائل، وهو ما يتناقض مع نفسيتهم الرافضة لكل ما يأتيهم بالقوة، ولهذا نجدهم يحتفظون باللغتين الأمازيغية والبونيقية لمدة طويلة رغم كل محاولات الرومنة، لكن هذا ليس معناه عدم وجود البعض منهم ترومنو خاصة في المدن والسواحل، بل برز الكثير من المثقفين والأدباء والفلاسفة كتبوا باللغة اللاتينية مثل سانت أوغستين وأبوليوس وفرنتون وغيرهم، لكن إحتمال كبير أن يكون المعبرون بالأمازيغية والبونيقية قد تم طمس تاريخهم وأحرقت كتبهم ومخطوطاتهم خاصة من الإستعمار الروماني.
كما اعتنق البعض من الأمازيغ الديانة المسيحية قبل أن يعتنقها الرومان، ولعل يعود ذلك إلى إحتكاك البعض من الجنود الموجودين في الجيش الروماني بالمسيحيين الأوائل في فلسطين، لكن عندما تبنى الرومان المسيحية على يد قسطنطين سارع الأمازيغ إلى إبداع المذهب المسيحي الدوناتي كتعبير منهم على رفض كل ما يأتي من الإستعمار الروماني، وهو مايعبر عن وجود فعلا أمة بمقومات خاصة بها، والدليل القاطع هي المقاومات المتواصلة طيلة وجود دخيل على هذه الأرض.

     وقد عبر الأمازيغ عن هويتهم الثقافية بالدفاع عن وطنهم ضد الدخيل الأجنبي، كما عبروا عنها بالفنون والآداب، وقد كان الرسم أحد الفنون التي مهر فيها الأمازيغ، وقد كانت حضارة الطاسيلي أحسن من عبر عن ذلك منذ 6آلاف سنة قبل الميلاد، وقد كانت الحضارة الأمازيغية هي التي أثرت في الحضارة الفرعونية المصرية، وقد كتب عن ذلك أكبر مؤرخي القرن العشرين وهو البريطاني آرنولد توينبي عند دراسته الحضارات كي يتوصل إلى نظريته التحدي والإستجابة، ولازالت شواهد هذه الحضارة مستمرة إلى اليوم، ومنها حضارة الطاسيلي دون الحديث عن العمارة مثل القصور في جنوبنا الكبير ومختلف الجداريات المكتوبة بالأمازيغية في الوديان والجبال، ومنها جدارية عين الصفراء، والتي تتعرض للطمس والتشويه في السنوات الأخيرة بفعل فاعل وغيرها من المناطق رغم الطمس الذي لقيته الحضارة الأمازيغية على يد الإستعمار الروماني، وقد بدأت تبرز اليوم بعض الحفريات العميقة رغم قلتها عن مدى قيمة هذه الحضارة الأمازيغية المغاربية، ولانعلم لما يفتخر البعض بأهرامات مصر، ولانولي أي أهمية لإيمدغاسن والقيام بدراسات حوله في الجزائر مثلا وغيرها من الآثار العديدة، ومنها هذه المدن الأمازيغية التي بنى الرومان عليها بهدف طمس حضارتنا الأمازيغية في إطار سياسة الرومنة التي انتهجوها.

     كما يعبر الأمازيغ عن هويتهم بمختلف العادات والتقاليد والأكلات الخاصة بالجزائريين خاصة والمغاربيين عامة، مثل الكسكس الخاص بهم فقط، ويعتبر الكسكس خاصية أمازيغية بحتة، ومن الطرائف المعروفة في التاريخ هو عندما كان الرئيس التونسي المؤمن بالوحدة المغاربية والرافض لفكرة القومية العربية التي يدعوا لها عبدالناصر، ووقع صداما بينهما، فلام عبدالناصر الرئيس بورقيبة ودعوته، فطلب منه أن يحدد له أين تقف هذه الحدود المغاربية، فرد عليه بورقيبة انها تبدأ أين يبدأ أكلة الكسكس وتقف أين تنتهي أكلها، فغضب عبدالناصر بعد ما نبهه أحد مستشاريه بأن بورقيبة بدعوته المغاربية يريد أن يسلخ جزء من مصر، وهي حدودها الغربية المتمثلة في نواحي سيوة التي لا زالت محافظة على تقاليدها ولغتها الأمازيغية وإحتفالاتها بيناير إلى حد اليوم.
ولازالت نفس هذه العادات والتقاليد والذهنية سائدة لدى الإنسان المغاربي إلى حد اليوم رغم كل السنين التي مرت ودرجات التثاقف والتأثر بالآخر مثل كل أمم وشعوب الأرض، وقد تأثر الأمازيغ عامة والجزائريين منهم خاصة أيضا بالعرب بعد إعتناقهم الإسلام الذي هو دين من الله سبحانه وتعالى إلى الإنسانية جمعاء وليس دينا مشرقيا عربيا كما يريد أن يوهمنا البعض اليوم من القوميين العرب والمتشرقنين عندنا الذين يسعون لنشر هذه الفكرة لأهداف سلطوية لاعلاقة لها بالإسلام أصلا الذي يرفض طمس هويات الشعوب، ويعترف بتعدد الألسن والألوان ويعتبرها آية من آيات الله، ولو قلنا أن الإسلام آت من المشرق كما يفعل هؤلاء، فمعناه نعتبره منتوجا مشرقيا، وبالتالي هو تصريح ضمني انه منتوج بشري، وهو الكفر البواح بذاته، فيجب أن نؤكد أن الإسلام جاء من رب السماوات والأرض أي من الله سبحانه وتعالى للبشر كافة، وأعتنقه الأمازيغ كلهم ليس لأنه دين عربي كما يعتقد هؤلاء القوميين العروبيين والمتشرقنين بل لأنه جاء من الله سبحانه وتعالى إلى البشرية جمعاء، ويعد إعتناق الأمازيغ الإسلام نقطة تحول هامة في تطور الهوية الثقافية الجزائرية خاصة والمغاربية عامة.

      اعتنق الأمازيغ الإسلام منذ ظهوره في سنواته الأولى، وقد ذهب وفد منهم إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليتعرفوا على هذا الدين الجديد أكثر، وقد سألهم من أنتم، فقالوا له أنهم “من مازيغ بن كنعان بن سام بن نوح”، وبدأ إنتشار الإسلام شيئا فشيئا، فانقسم الأمازيغ إلى فريقين المسلمين وغير المسلمين، وقد دعم العرب الطرف الإسلامي في الصراع بينهما، كما استعان القليل منهم بالبزنطيين لمواجهة المسلمين، فهو صراع بين أمازيغ بسبب الإسلام مدعوم بقوى دولية خارجية، لكن دخل الأمازيغ في الإسلام تقريبا مئة بالمئة، وهي ظاهرة لم يعرفها إلا هذا الشعب مما يتطلب البحث في الإجابة عنها ولماذا ؟
اختلف الباحثون في تفسير تفسير هذه الظاهرة، فنجد عدة طروحات ومنها:
أنهم على الفطرة.
وجودهم على الوثنية وعدم تجذر أديان سماوية فيهم.
إكتشافهم عدالة الإسلام وعدم مساسه بثقافتهم وهويتهم وأعرافهم.
وجود المسيحية الدوناتية عندهم وهي القريبة من مسيحية سيدنا عيسى جعلتهم ينتقلون بسرعة إلى الإسلام.
إعتناقهم الإسلام نكاية في الروم وكل الغزاة الذين كانوا يأتونهم من شمال المتوسط .
فبشأن هذا الطرح الأخير نشير إلى أن الأمازيغي من طبيعته رفض كل من يحاول فرض المعتقدات عليه بالقوة، وهو ما يكذب الذين أرادوا أن يجعلوا من فكرة أن الإسلام انتشر بالقوة لدى الأمازيغ، لأن طبيعة الأمازيغ ترفض إعتناق دين أو قيم بالقوة، ولهذا من المفروض رفض إستخدام عبارة “الفتح الإسلامي لبلاد المغرب”، لأنه ليس صحيحا، ومن المستحسن إستخدام عبارة “إعتناق الأمازيغ للإسلام” لأنهم فعلا دخل أغلبيتهم في الإسلام قبل مجيء الأمويين، وهذا هو ما أخفاه المؤرخون الأمويون عمدا كي يعطوا تبريرا لغزوهم للبلاد المغاربية، فقد سعى الأمويون للسيطرة على هذه البلاد المغاربية لأهداف توسعية أمبرطورية بإستغلال الدين الإسلامي البريء من هذا العدوان الأموي الذي ووجه بمقاومات كبيرة، والذي يعد دفاعا عن الأرض والوطن ضد عدوان أجنبي، وهي من طبيعة شعبنا الذي يرفض السيطرة عبر التاريخ سواء جاء بإسم الدين أو التمدين أو غيرها من الغطاءات والشعارات التي عادة ما يحملها الغازي لإعطاء مبررات شرعية لتوسعاته.

       ولهذا يجب على شعبنا أن يفتخر بكل المقاومات التي رفضت السيطرة الأجنبية تحت أي غطاء كان، ومنها مقاوماته ضد التوسع الأموي الذي لم يكن إلا توسعا أمبرطوريا لا علاقة له بالإسلام، ويجب أن نعلم أبناءنا ذلك في المدارس كي لايأتي اي كان غذا ويغزو ارضنا بإسم الدين كما تفعل داعش اليوم، وإن لم نعلمه هذا التاريخ فإنه سيأتي يوما من سيقبل بأي غزو أجنبي لبلادنا إذا رفع شعارا إسلاميا، أفلم يستخدم نابليون الإسلام لغزو مصر في 1798، فما يمنعنا عدم تكرار أعداءنا اليوم أو مستقبلا نفس الأساليب، لكن بشكل أكثر تطورا، فما أدرانا اليوم إن لم يكن داعش اليوم هو غزو لبلادنا تحت شعار “إنشاء خلافة إسلامية”، كما فعل الأمويون في وقت من الأوقات، فلم يكن كسيلة إلا مقاوما تعرض للتشويه، فالحقيقة انه أستشهد مسلما على المذهب الصفري القريب من المذهب الإباضي، وأستشهد مدافعا عن الأرض والوطن والإسلام الصحيح العادل الذي أخذه أجداده على يد سيدنا عمر بن الخطاب بروحه الجمهوري والديمقراطي، وكان كسيلة رافضا لإسلام الأمويين المتسم بالعنصرية والتعالي والتمييز بين العرب المسلمين والمسلمين غير العرب الذي مارسه الخلفاء الأمويون طيلة عقود بإستثناء الخليفة عمر بن عبدالعزيز الذي لم يستمر حكمه أكثر من سنتين، وتمت تصفيته من هؤلاء الأمويين، فهل يعقل أن يأتينا الأمويون بالإسلام الصحيح، وهم الذين قتلوا سيدنا الحسين حفيد سيدنا محمد صلى الله عليه ومثلوا بجثته؟، فهل سيأتي هؤلاء الأمويين بالعدل لأجدادنا وهم لم يمارسوه حتى فيما بينهم، وما ينطبق على الشهيد كسيلة ينطبق على ديهيا التي دافعت عن الأرض، وقد أدرك البعض من نخبنا بطولة ديهيا ووطنيتها، وأعتبروها مفخرة جزائرية بإمتياز، فلم يتوان مثلا الرئيس هواري بومدين إلا أن يطلق إسمها على أكبر ساحة في وهران، فقد كانت هذه الساحة تسمى في العهد الإستعماري ب” ساحة جان دارك“، لكنه إستبدلت ب” ساحة الكاهنة“، ولو أنه يفضل غطلاق إسمها الحقيقي الحقيقي ديهيا، لكن للأسف شعبنا لم يتعود على الأسماء الجديدة للساحات والشوارع وأبقى يتداول تسمية “الكاتيدرائية”، ويلاحظ نفس الأمر على شوارع وساحات أخرى أين أبقى الكثير منا على إستخدام التسميات التي أطلقها الإستعمار الفرنسي، والتي خلد بها مجرميه بدل     إستخدام التسميات الجديدة التي تخلد شهدائنا وأبطالنا.
وقد نتج عن إعتناق الأمازيغ الإسلام وحبهم له سعيهم لنشره في بقاع الأرض ففتحوا الأندلس على يد طارق بن زياد الذي قاد جيشا أمازيغيا إلى هناك، وكما كانوا وراء نشره في أفريقيا جنوب الصحراء، لكن رافق إعتناقهم الإسلام عملية تعريب جزئية، وقد عرفتها المناطق الساحلية والمراكز الحضرية خاصة على عكس الجبال والبوادي التي لا زالت إلى اليوم محافظة على الأمازيغية بمختلف لهجاتها، فما هو تفسيبر عملية تعريب الأمازيغ عامة والجزائريين منهم خاصة ؟
تختلف الطروحات المفسرة لهذه الظاهرة ومنها:
-حب الإسلام لدرجة التخلي عن اللغة الأصلية الأمازيغية وتبني لغة القرآن الكريم.
– تعريب المناطق التي كانت تتحدث البونيقية من قبل.
-العامل الجغرافي ومدى القرب من مراكز السلطة والدولة، ولهذا تعربت المراكز الحضرية والمدن على عكس الصحراء والجبال البعيدة عن هذه المراكز .

       لكن هناك تفسير آخر أهمله البعض ويحتاج إلى دراسة أعمق، ويتمثل في إنبهار وإعجاب بعض الأمازيغ بالعرب لأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منهم، وأعتقدوا أنهم الأوائل الذين حملوا رسالة الإسلام التي جاءت من الله سبحانه وتعالى، فتبنوا اللغة العربية بصفتها لغة الإسلام ولغة الحضارة آنذاك، ووصل أمر هذا الإعجاب إلى درجة إنكار الكثير من الأمازيغ لأصولهم وتبني أصلا عربيا ولو بإختلاق أوهام، ولعل ذلك يعود إلى عقدة نقص لديهم آنذاك، ولتوضيح ذلك جيدا نستند على فرانز فانون الذي وضع مفتاحا يفسر لنا ظاهرة التحولات الثقافية والإضطهادات العنصرية عبر التاريخ في كتابه “بشرة سوداء، قناع أبيض“.
و نعتقد أن هذا الكتاب هو أهم كتاب لفانون على الإطلاق في نظري، والذي لم يلق إهتماما كبيرا، ففي هذا الكتاب قام بتحليل نفسية الإنسان الزنجي بسبب الإضطهاد العنصري والثقافي والإستعماري الذي مارسه ضده الإنسان الأبيض، ومايثير الإنتباه في تحليل فانون لظاهرة الزنوجة وعلاقة الزنجي بالأبيض هي عقدة النقص القاتلة التي خلقت لدى الزنجي رغبة ملحة في التخلص من زنوجته والتشبه بالإنسان الأبيض، وهو نفس ما يسميها بن خلدون “المغلوب مولع بالغالب”، لكن لاحظ فانون وهو الطبيب النفساني، بأن رغبة الزنجي في التخلص من زنوجته هي مستحيلة بسب إستحالة تغيير جلده، ولهذا فهو يرغب لو تمكن من إستبدال ذلك بقناع أبيض، وهو ما قام به الفنان مايكل جاكسون منذ سنوات أدت إلى وفاته، فهو ما يعني عند فانون ان عقدة الإنسان الزنجي مركبة، ومن الصعب جدا حلها.

     لكن لم يذهب فانون في كتابه “بشرة سوداء، قناع أبيض” أبعد من مسألة الزنجي، ولم يطرح مسألة كل الشعوب المغلوبة، والتي تعرضت للإضطهاد العنصري والثقافي عبر التاريخ، والتي تتشابه نسبيا في السحنة واللون مع المضطهد، مما يعني تشبهه بالمضطهد والتخلص من ذاته ليس أمرا صعبا ومعقدا كما هو الحال في علاقة الزنجي بالإنسان البيض، ففي حالة التشابه النسبي في السحنة واللون، فمن السهل على المضطهد سياسيا وثقافيا وتمييزيا التشبه بمضطهده، لأن ماعليه إلا التخلص من هويته وثقافته ولغته، ويتبنى أصل وهوية المضطهد له، فيصبح مثله شريطة تغيير المكان الذي يعرفه فيه الناس، وهنا نطرح أسئلة أليس هذا هو ما حدث في العديد من البلدان عبر التاريخ أين اصطدم جنسين متشابهين نسبيا في السحنة واللون؟ .

أليس ماطرحه فانون يعد مفتاحا هاما في يد المؤرخين وعلماء الإجتماع لفهم العديد من المظاهر والتحولات الثقافية والإقتصادية والسياسية عبر التاريخ، ومنها بلادنا المغاربية خاصة بعد إصطدامهم بالأمويين وجرائمهم ضد شعبنا؟.

    يمكن نقل تفسيبر فانون لعلاقة الزنجي بالأبيض إلى علاقة الأمازيغي بالعربي بعد إصطدامه بجرائم الأمويين وعنصريتهم التي تشبه عنصرية الأبيض ضد الزنجي وممارساتهم الإضطهادية التي مارسوها ضد شعبنا قبل أن يطردوهم شر طردة بعد ثورتين أمازيغيتين، فكما قال فانون عن الزنجي الذي كان يتمنى لو يحول لون بشرته إلى اللون الأبيض، لكنه لايستطيع، ويعبر عنها فانون بعبارة” بشرة سوداء، قناع أبيض“، لكن سهل ذلك الأمر على الأمازيغي لأن بشرته وسماته وسحنته القريبة من بشرة العربي أي لا تعرقله في تغيير هويته على عكس الزنجي تجاه الأبيض الذي يشترط عليه تغيير لون بشرته كاملا، وهو ما يفسر لنا إعتقاد الكثير من الأمازيغ بأنهم عرب، وهو ليس صحيح لأن دخول الأمازيغ في الإسلام لم يحدث تغيييرا كبيرا في البنية السكانية، بل أحدثها في البنية الثقافية بتبني الأمازيغ عن حب وطواعية للدين الإسلامي واللغة العربية، بل تبنى البعض منهم الجنسية العريبة كما وضحنا ذلك من قبل .

      ونضيف أن إعتقاد البعض بأن جدهم فلان أو علان من العرب وبأنها قبائل عربية هو بهتان آخر، لأننا يجب أن نفهم عملية هامة في هذا التاريخ الإستعماري الأموي، حيث كان بإمكان أي قائد عسكري أموي أن يضمن ويحمي قبيلة أو مجموعة من السكان من الإضطهاد، أي كان حاميا لهم، فأعتقد هؤلاء فيما بعد أنهم ينحدرون من هذا القائد العسكري الأموي، وهي ظاهرة تحتاج إلى بحث أعمق من المؤرخينوبإعتناق الأمازيغ الإسلام تشكلت هوية ثقافية جديدة، وذلك بإضافة العقيدة الإسلامية الذي تعد العامل الرئيس المؤثر في المجال الثقافي والحضاري، بالإضافة إلى تبني اللغة العربية كلغة رسمية لدى مختلف الدول الإسلامية في بلاد المغرب التي كانت أمازيغية في التكوين والسلطة بعد طرد الغزاة الأمويين ، لكن دون إهمال العمق الأمازيغي للإنسان الجزائري خاصة والمغاربي عامة، ولهذا يتكلم الباحثون عن إسلام مغاربي خاص لأنه اعطي له الصبغة الأمازيغية، بل بقيت في الممارسات الدينية الإسلامية البعض من التقاليد الأمازيغية التي كانت موجودة من قبل إلى حد اليوم .

      أما في مجال اللغة العربية فأول ما يلاحظه الإنسان والباحث هو أن العربية الجزائرية قبل أن تختلط بالفرنسية فيما بعد هي نوع من خليط بين العربية والأمازيغية أي مثل البونيقية، لكنها عربية قريبة في كلماتها العربية من القرآن الكريم لأن الإنسان الأمازيغي أخذ العربية مباشرة من أصلها وهو القرآن الكريم، ولم يأخذها من مختلف الدارجات العربية التي كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية قبل نزول القرآن الكريم، ويعترف علماء إجتماع اللغة بأن الإنسان الأجنبي عن أي لغة هو الذي بغمكانه ان يتقن تلك اللغة الأجنبية عنه لأنه يتعلمها في المدرسة، وليس من الشارع أي يأخذها بأصلها، لأنه لا يعرف دارجتها، وهذا هو ما يفسر القرب الكبير للعربية الجزائرية بالعربية الأصيلة، لأن المغاربي بعد ما اعتنق الإسلام تعلم العربية بالقرآن الكريم وليس بالإحتكاك بعرب يتحدثون عامياتهم العربية، فلو أخذنا مثلا أي طفل من جبال الأوراس أو القبائل أو الشنوة أو الجنوب الغربي الجزائري لايتحدث إلا بالأمازيغية في البيت والشارع ، فإنه بعد ما يدخل إلى المدرسة، فإنه سيتحدث بعربية فصيحة جدا، لأنه تعلمها من أصلها-أي لم يحتك بدارجتها وعاميات العربية-، وهو ما يفسر ظاهرة قرب عربية الجزائريين والمغاربيين من العربية الفصحى قبل ان تختلط باللغات الفرنسية والإسبانية والتركية وغيرها، وهو ما يدل على الجذورالأمازيغية الواحدة لشعبنا الجزائري خاصة والمغاربي عامة، فالإسلام أحدث تغييرا ثقافيا وليس في التركيبة البشرية على العموم، هذا دون أن ننفي وجود أقليات جدا جاءت إلى بلادنا من فنقيين ورومان ووندال وعرب وأتراك وغيرهم مثل كل أمم الأرض، لكنها أختلطت وأمتزجت بالسكان الأصليين .

    ولهذا تشكلت الهوية الثقافية الجزائرية والمغاربية بسماتها الأمازيغية التي تبرز بشكل كبير في الذهنيات والسلوكات والعادات والتقاليد وغيرها، وكأنها روح الأمة وموغلة في عمقها، لكن هذبت هذه الذهنية بالتأثير الإسلامي الذي يعد أسمنت هذه الهوية، وما انبثق عنها من لغة عربية فصحى، يعبر بها الجزائري عن ثقافته المكتوبة والرسمية إلى جانب عربية عامية جزائرية ولغة أمازيغية بلهجات مختلفة يعبر بها عن ثقافته الشعبية والشفوية، ولايوجد إختلافات كبيرة بين مختلف هذه اللهجات الأمازيغية كما يعتقد البعض، فالإختلاف بينها مثل الإختلاف بين العربية الكويتية أو السعودية والعراقية مثلا، وهي لهجات أمازيغة نشأت بفعل عوامل تاريخية وجغرافية وتنبثق من لغة أمازيغية فصحى، وهي الأمازيغية الأم التي يمكن إعادتها إلى الساحة ، ويبدو أنها موجودة بقوة في المناطق البعيدة في الصحراء لأنها لم تحتك باللغات العربية والفرنسية وغيرها، لكن هذا لم يمنع تأثر الجزائري والمغاربي نتيجة تثاقف بالثقافات التركية والإسبانية والفرنسية والعالمية اليوم، لكن دائما يبقى أمازيغي الجذور والذهنية والروح وإسلامي المعتقد وثقافة أمازيغية عربية إسلامية هي الغالبة على الإنسان الجزائري والمغاربي وثقافته وهويته .

بقلم البرفسور الجزائري رابح لونيسي .

lounici.rabah2008@yahoo.fr

Comments

comments

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *