الرئيسية / أقلام حرة / أقدمية وأصالة المدن والممالك الأمازيغية في شمال إفريقيا من خلال النصوص القديمة

أقدمية وأصالة المدن والممالك الأمازيغية في شمال إفريقيا من خلال النصوص القديمة

    تكاد ان تصبح الفكرة القائلة بأن الامازيغ لم تكن لهم مدن خاصة بهم قبل وصول بحارة صورة “الفينيقيين” من المسلمات التاريخية حتى في بعض كتاب المؤرخين الاجانب الذي أرخوا لمنطقة شمال إفريقيا وكأن الامر من اليقينيات التاريخية المحسومة والمبرمة ؟

    إذا كان بعض المؤرخين القدامى قد تحدثوا في بعض الاشارات المبهمة في النصوص الاغريقية القديمة على تأسيس مدن “فينيقية” بسواحل شمال افريقيا قديما كما جاء عند المؤرخ اليوناني سترابون (STRABON, Géographie, XVII, 3, 2-3)، الذي شكك هو نفسه في مصدر روايته  وجعلها محض الخرافات الاسطورية التي عرف بها المؤرخون الاغريق (STRABON, Géographie, XVII, 3,3 et 3, 8) ، فهذا لا يعني أطلاقا أن الأفارقة الليبيين لم يؤسسوا مدن لهم ،حتى وإذا لم يقدم لنا مؤرخو  اليونان واللاتين إشارات واضحة تثبت صحة او بطلان ذلك ، كون الحديث عن الأفارقة الامازيغ من طرف المؤرخين القدامى كان في اغلب الأحيان يحدث أثناء الحروب والنزاعات المشتعلة في المنطقة فقط . وفي حال انعدام وثائق في الادبيات التاريخية القديمة تأكد عدم بوجود هذه المدن المحلية في المنطقة قبل وصول البحارة المشرقيين فهذا لا يعطي أي الحق للمؤرخين المعاصرين من تقديم احكام قاطعة تنفي على الأمازيغ تأسيس مدن لهم دون تدخل أجنبي ؟ وبما أنه لا يوجد أي نص تاريخي قديم ينفي على الامازيغ تشيد مند لهم قبل وصول بحارة صور ،فهل يعني هذا انعدام إشارات في تلك النصوص توحي بوجود مدن محلية قديمة وبالتالي عمران ومدنية قائمة تساعد المؤرخ المحلي على تحرير نقد علمي موضوعي لإثبات فرضية أقدمية المدن الشمال الافريقية ؟

    للإجابة على هذه التساؤلات ما علينا سوى العودة الى نصوص مؤرخي اليونان واللاتين القديمة وإعادة قراءتها وتمحيصها بطريقة موضوعية ، ونبدأ من أقدم النصوص التي تحدثت على تاريخ وصول بحارة صور واحتكاكهم بالسكان المحليين ، وهنا نجد في رواية تعود الى القرن التاسع ق.م، حيث جاء ذكرا لملك محلي مع اسطورة تأسيس قرطاجة، وهي رواية يوستينوس أو جُسْتان justin  نقلا عن الطْروكا بومبي  (Trougue Pompée) الذي تحدث في روايته عن ملك السكان المحليين الذين سماهم جوستان المكسِطانيين Maxitani  (ذكرهم المؤرخ أوستاث بالمازيكس Mazikes) ،وهو تحريف لاتيني لكلمة مازيغ ، تقول الرواية أن ملك المازيكس أو الأمازيغ هيرباص (Hiarbas) قد طلب يد الملكة الصورية عليسة قبل ان تنتحر ،(Justin , Histoire Universelle de trogue de pompée, (2 vol.) , trad, par J.Pierrot et E.Boitardéd.Panckoucke (Paris 1833), XVIII,6,

   ثم بعد ذلك فرض هذا الملك على الوافدون الجدد الذين بنى لهم الأهالي المختلطين والمرحبين بهم مدينة قرطاجة ، ضريبة سنوية تدفع لصاحب الارض ، وبقي الامر على ذلك الحال تدفع قرطاج الضريبة للأقوى حتى النصف الثاني من القرن الخامس ق.م،  كما جاء عند نفس المؤرخ  (Justin , XIX, 1-2

  و جاء عند المؤرخ قزال (Gsell) كذلك قوله : “… نفس الكاتب (يقصد أوستاث) يطلق مازيكس Mazikes على الأهالي الذين أطلق عليهم جُسْتان مكسطاني . وسيرفيوس الذي يستشهد “بتاريخ بونيقي ” كان يعرف شخصا اسمه “يوباص Jopas  ملك الأفارقة، وأحد طالبي الزواج من ديدون”  إذ يقال إن عددا من الامراء الأهالي طلبوها للزواج، كما يذكر ذلك فرجيل أيضا، كما يضيف سيرفيوس أن هذا الأخير (يقصد يوباص Jopas) أعلن الحرب على القرطاجيين ” . (قزال، تاريخ شمال إفريقيا القديم ، ترجمة محمد التازي سعود، ج 1 ص 308)

     من هذه الرواية التي نقلها هؤلاء المؤرخين يتأكد لنا وجود أكثر من ملك في القرن التاسع ق.م الميلاد عند وصول بحارة صور الى سواحل تونس ، ولما نقول ملك يفرض الضرائب حتى النصف الثاني من القرن الخامس ق.م التي كانت فيه قرطاجة قوة بحرية مسيطرة على المتوسط ، وملك أخر يعلن الحرب على قرطاجة ، يعني بطبيعة الحال وجود مملكة شاسعة وقوية تعكس قوة هذا الملك وتحمي أملاكه وتستوعب حاجيات جيشه القوي ، ومن خلال أسماء هؤلاء الملوك المذكورة في الرويات المؤرخة لفترة القرن التاسع ق.م مثل هيرباص Hiarbas و يوباص Jopas  الذي تتكرر هذا الاسم في العائلة الماسيلية الاخيرة في يوبا الأول والثاني  مع حذف القرينة S التي يضيفها الاغريق للأسماء في لغتهم ، يتجلى لنا دليل أخر على عراقة وقدم العائلة المسيلية على الاقل منذ القرن التاسع كما جاء في الروايات القديمة الى غاية سقوط نوميديا على يد الرومان ، ويبقى لنا الآن البحث عن إشارات تدل على استمرار هذه العائلة الملكية خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة ، خاصة بعد القرن الخامس ق.م الذي تأكد من خلال النصوص القديمة استمرار قرطاج دفع الضريبة لمملكة أحفاد الملك هيرباص ، فنجد أشارات أخرى تخص القرن  القرن الرابع ق.م ، حيث جاء أيضا عند جُسْتان justin  حديث عن ملك أمازيغي آخر يدعى  “ماورى”  تحالف مع حنون لما حاول الانقلاب على عرش قرطاجة والاستلاء عليه  (Justin XXI, 4.7)،  كذلك جاء عند ديودور الصقلي  في نفس الفترة الزمنية حديث عن جد العاهل ماسنيسا الملك إيليماس (Ailymas) الذي تحالف  مع أغاثوكليس على قرطاجة Diodore de sicile, Bibliothèque historique (7 vol.), trad, par A.F.Miot, éd .imp. royaude, (Paris 1834-38), XX,17, et 18.3.)

   وإذا أخذنا برواية المؤرخ ديودور الصقلي الذي أشار إلى أن عاصمة الملك إيليماس ، كانت مدينة توكاي (دوقة) بتونس كما يرجحه أيضا غبرييل كامب (Camps(G.),”Origines du royaume Massyle” R.CH.M, T.3, (19687), p.29) فستتضح لنا الصورة أكثر بأن مملكة الماسيل كانت تشمل حتى التراب التونسي بما فيه الأرض التي بنيت عليها قرطاج وأن الممالك الماسلية كانت قابعة في تلك الارض قبل وصول بحارة صور وظهور قرطاجة، وخير دليل يثبت لنا هذا الكلام هو معاهدة زاما التي نصت على أحقية الملك الماسيلي ماسينيسا استعادة أراضي أجداده المحيطة بقرطاجة ، و مناطق النفوذ البوني ، فقد استرجع  ماسينيسا أكثر من 50 مدينة وقرية من السيطرة القرطاجية بعد تلك الاتفاقية (Tite-Live , XLII,23 ) وسارع الزمن لإنهاء سيطرة الجالية المشرقية بقرطاج في المنطقة  لتحقيق  مشروعه الرامي الى توحيد شمال افريقيا ، مما أربك روما التي أدركت نواياه وطموحاته وتدخلت لتدمير قرطاجة ،لمنع ماسنيسا الذي أسس فيها حزبين سياسيين يطالبان مبايعة قرطاجة لماسينيسا والانضمام الي حكمه، من استلائه  عليها و تحوله الى حنيبعل جديد في المنطقة يهدد أمبراطورية روما مستقبلا .

  ان المتتبع لأفكار المؤرخين المعاصريين ، المروجين لفكرة الاصل المشرقي للمدن الأمازيغة في شمال افريقيا ، خاصة الفرنسسين منهم، يتبين له أن هذه الافكار نابعة عن توهمات واستنتاجات سطحية غلبت عليها النزعة الاستعمارية المتعالية ، فهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث للإجابة عن السبب الذي منع الليبيون الأمازيغ من جلب ونقل خبرة أبناء عمومتهم المصريين في البناء والتشيد الذي أبدعوا فيه ، وهم الذين احتكوا منهم منذ الالف الثالثة ق.م على الاقل ، بل كانت مصر واحتهم ، حتى ينتظروا وصول بحارة صور “الفنيقيين” ليتعلموا منهم الهندسة والبناء ؟

   ثم إن الأضرحة الملكية الامازيغية مثل ضريح مدغاسن وضريح سيرتا وقبر الرومية والصومعة وأهرمات لجدار … كلها هندسة معمارية لا ريب في محليتها وأصالتها تعكس لنا الذوق والخبرة التي امتلكها البَنَاء الذي لا بد وأنه أبدع بمثلها أو أجمل منها لبناء مدنه في كل من سيرتا (CIRTA) قسنطينة حاليا التابعة لقايا ثم سيفاكس ثم ماسنيسا وميكيبسا ، سيقا (SIGA) ، بعين تيموشنت لسيفاكس ثم بوكوس  ، يول  (IOL)شرشال لميكيبسا يوبا الثاني ، بولة ريجيا (BOULLA REGIA)حمام الدراجي بتونس تابعة للملك يارباص ، زاما(ZAMA) ،جاما بتونس حكمها يوبا الاول  وكذلك مدينة إيكوسيوم (ICOSIM)، كامارتا (CAMARATA) ،قونوقو (GUNUGU) ، لارس (LARES) ،صالداي (SALDAE) و ريجاي (REGIAE)…

   لقد بات واضحا أن المؤرخون المعاصرين قد وقعوا في مغالطة ، لا يستبعد أن تكون مقصودة لأغراض استعمارية ، لما اعتبر بعضهم امتلاك الجالية المشرقية للمدن المنتشرة في سواحل شمال افريقيا ، دون تقديم أي دليل يثبت ذلك، خاصة أن عِلم المؤرخين الغربيين للعمران والآثار في فينيقيا جاء متأخر مقارنة بدراستهم لأثار شمال افريقيا، فكيف لهذه الجالية التي لم يعرف عنها الا سبعة او ثماني مدن في موطنها الاصلي بفنيقيا أن تبني كل هذه المدن في سواحل شمال إفريقيا ليسكنها السكان المحليون ؟

   إن المغالطة قد وقعت في الترجمة ، حيث أن القرطاجيون لما نقلوا أسماء المدن الأمازيغية قاموا بترجمتها الى لغتهم ، فنقلها المؤرخون اللاتين والاغريق على ذلك النحو من خلال الكتب التي وصلتهم بعد حرق قرطاج ، كما جاء عن المؤرخ الروماني سالوست .فالقرائن التي بحوزتنا تفيد أن كل ما كان لقرطاج خارج منطقتها هو عبارة عن مصاريف تجارية (Comptoirs commerciaux) على السواحل ، فمن المعروف تاريخيا أن قرطاج لم تبدأ توسعها في ارض افريقيا أي خارج قرطاج الا بعد 406 ق.م. وقد وصلت حدود نفوذ قرطاج الى الحدود الجزائرية التونسية اليوم .

   كما يِؤكده المؤرخ قزال في قوله :” أنشأت قرطاج منطقة حكم لها في قسم من البلاد التونسية في القرن الخامس ق.م ، وبدأ تركيزهم على النفوذ في المناطق الغربية للساحل بين قرطاج واعمدة هرقل منذ القرن الرابع ق.م ، وقد خاض القرطاجيون حروب ضد النوميديين والموريين في 475-450 ق.م ” (تاريخ شمال إفريقيا القديم، ترجمة محمد التازي سعود ،ج ،1 ص 357) ، والحقيقة أن هدف التحالف الذي أبرمته روما مع الملك سيفاكس سنة 213 ق.م كان لغرض منع قرطاج استعمال الموانئ الغربية في ماسيسليا في حربها باسبانيا ، وقد استطاع الملك سيفاكس (205ق.م) استراج سيادته على ميناء ثابسوس –روسيكادا Thapsus Rusicade  الذان كانت تحت النفوذ القرطاجي  (  Camps G,Massinissa, p173)

    أما عن المستعمرات “الفينيقية” التي تحدث عنها بعض المؤرخين أمثال غزال الذي قال : ” … يجب الاعتراف بأن أصول تاريخ الفينيقين بافريقيا مغشاة بظلام كثيف … وبعدما تعرفوا على خيرات البلاد ، أنشأوا مستعمرات حقيقية ،لا مجرد محطات, ويحتمل أن هذه المستعمرات لم تكن كثيرة العدد، لأن المهاجريين لم يكن عددهم كثيرا، وقد سبق أن رأينا أن النصوص تذكر خمسا أو ستا من هذه المدن فحسب ” (قزال، نفس المرجع السابق ، صفحة 294)،  ويقول كذلك ” فلقد أسس الفينيقيون على السواحل مستعمرات كان أكثرها منغلقا على نفسه بشدة داخل الأسوار، أو لم تكن له سوى أحواز ضيقة . وقرطاجة لم تعتزم إلا بعد اكثر من ثلاثة قرون على احتلال منطقة يظهر أنها لم تمتد لما وراء البلاد التونسية الشمالية. وزيادة على هذا، ليس هناك ما يؤكد أن الفاتحين (يقصد “الفينيقيين”) استعمروا هذه المنطقة استعمارا واسعا . (قزال، نفس المرجع السابق ، صفحة ، 231)

    إن هذه “المستعمرات الفنيقية” ،و إن كانت منغلقة على نفسها و عددها قليل كما قال قزال ، لابد أن في الكلام مبالغة كبيرة ، فأغلب الظن أنها مدن محلية اختلط سكنها مع الجاليات المشرقية لأجل التجارة ، غلبت أو بدت عليها بعض مظاهر الثقافة البونية مما جعل بعض المؤرخين ينسبونها الى الجالية المشرقية ، فلو افترضنا وجود “مستعمرات فينيقية” غير قرطاج في سواحل شمال افريقيا لوردنا خبر انظمام هذه المستعمرات الى قرطاج في حربها ضد روما وماسنيسا في كتب مؤرخي اللاتين الذين أرخوا لحرب سيبيون الافريقي على قرطاج وبجلوها أو على الأقل لبقيت هذه الثقافة واللغة البونيقية في إحدى هذه ” المستعمرات ” بعد سقوط قرطاج ، ثم إن طبيعة الأمازيغ المتمردة ضد الغزاة والتواقة الى التحرر كما نقلته لنا كتب التاريخ كانت ستقتلع هذه المستعمرات لو لم تكن مدن تجارية استفاد منها السكان المحليون ذابت مع الوقت الأقلية الوافدة في النواة الصلبة للسكان المحليين كما يأكده الواقع والمنطق  .

صفوة القول أنه بإمكاننا إعادة كتابة تاريخ منطقتنا بنظرة محلية موضوعية حتى بالاعتماد على كتب المدرسة الكولونيالية التي ،وإن كانت ذات نزعة إستعمارية، فإنها قد سهلت علينا الوصول الى المادة العلمية وما علينا إلى نفض غبار الأدلجة الاستعمارية على هذه المادة العلمية الخامة وإخضاعها للبحث والغربلة والتمحيص بطرق ومناهج منطقية وعلمية، لكتابة تاريخنا المحلي كما نراه نحن ونقول الجانب الايجابي والسلبي فيه حتى نتعلم كذلك من أخطاء أسلافنا .

بقلم الأستاذ : مصطفى صامت

مقالات ذات صلة بالموضع  :  

عن ⵜⵓⵜⵍⴰⵢⵜ

شاهد أيضاً

الدوافع السياسية والايديولوجية وراء سعي القوميين العرب لتعريب الفينيقين والأمازيغ

إذا كانت فكرة الاستعمار الفرنسي قائمة على أن فرنسا هي الوريثة الشرعية للحضارة الرومانية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *