الرئيسية / أقلام حرة / سكان شمال إفريقيا الأمازيغ هم من أبدعُوا الأرقام الغُبارية (3،2،1…)

سكان شمال إفريقيا الأمازيغ هم من أبدعُوا الأرقام الغُبارية (3،2،1…)

   بعض الأمم تبدع ، وأخرى تنسبُ الإبداع والإنتاج لنفسها ، فالحضارة الإسلامية بتنوع إثنياتها هي ( حضارة إسلامية) والعرب رافد يسيرٌ فيها ، غير أن ( هوس العروبة) جعل من جهد الأعاجم عربيا ، فجل علماء الإسلام من أرومة غير عربية ، حتى [ الخوارزمي] صاحب الوثبة في (علم الرياضيات و الأرقام واللوغاريتمات ) هو فارسي الأصل والفصل والتفكير .
كثير من إبداعات واختراعات ( المسلمين العجم ) نسبت للعرب زورا ويهتانا ، من جملتها ( الأرقام التي قيل عنها عربية ؟؟).

   خرج العرب من صحرائهم بلا رصيد حضاري قوي يؤثرون به سوى ( كتاب الله ) وسيفٌ مسلول لنشره خارج شبه جزيرة العرب ، فكانت دولتهم الناشئة في حاجة إلى أنظمة تساير عصرهم ، فاقتبسوا من أمم الجوار الذين كانوا أكثر تفوقا ، فتأثروا بنُظم الهند والفرس واليونان والرومان ، فكانت (دار الحكمة) في بغداد زمن الرشيد والمأمون منشغلة بالإقتباس من تجارب الأمم وعلمها ، ومن جملة التأثيرات التي وصلت للمسلمين ( الأرقام العددية) .

 تميز المغارب الأمازيغ عن المشارق .

   كل الطرق التي سلكتها أثبتت لي بان الأرقام المتداولة في عالمنا الإسلامي الواسع ( أصلها هندية ) سواء منها [ الهوائية] أو [الغبارية] ، فالمبحر في أرض الله يكتشف أن المشارقة يستعملون في عدهم وحسابهم الأرقام الهنديةالتي صفرها نقطة (١-;–٢-;–٣-;–…). والمغاربة الأمازيغ يستعملون الأرقام الغبارية ( 1-2-3-4 …..) التي صفرها دائرة ،فالمغاربيون الأمازيغ بحثوا عن التميز عن المشارقة منذ بدايات الإسلام ، فدانوا بالمذهب الخارجي نكاية في بني أمية ، ثم المالكية فقها و أشعرية عقيدة ، وكان لهم تراث أدبي مميز ، و ( خط مغربي ) بالغ الجمال ، وقراءة ٌ للقرآن ( وقفية ) لا زالت جوامعُنا تردد صداه ، وتفكيرهم الذي ناقض الشرق برز جليا في إسهامات ابن حزم ، وابن رشد ، وابن طفيل ، و ابن رشيق ، وابن خلدون ، ومحي الدين بن عربي …. فالمغارب الأمازيغ لهم ثقلٌ في الموروث الإسلامي لا ينكره إلا جاحد .

 الأرقامُ هندية وليست عربية .

    رغم محاولة العرب نسب الأرقام لنفسهم بأن جعلوها عربية ، إلا أن البحث والنبش أثبت أن العرب لم يبذلوا أي جهد يذكر في وضع منظومة الأعداد ، فكل ما في الأمر أن المسلمين العجم ويخاصة الفرس منهم قد نقلوا الأعداد الهندية إلى بلاد الإسلام زمن الخلافة العباسية ، ففي (عهد المنصور) العباسي وفد عالم فلكي هندي إلى بغداد ومعه كتاب في الفلك والرياضيات والأعداد التسعة للمبدع الهندي( براهما جوبتا)، في حدود سنة 628 ميلادي ، وأمر المنصور ترجمة الكتاب للعربية ، و عُهد الأمر للفلكي محمد بن ابراهيم الفزازي الذي الف على منواله كتاب (السند هند) ، وحدثت وثبة زمن المأمون العباسي علي يد العملاق ( الخوارزمي الفارسي ) الذي ألف كتابا عن الأرقام الهندية عرف في الغرب باسم ( Algoritmi de numero Indorum) ، وما يؤكد النظرة هو قول ( أحمد سليم سعيدان) أستاذ تاريخ العلوم في الجامعة الأردنية وعميد كلية العلوم فيها سابقا وعضو مجمع اللغة العربية الأردني ، وهو من طليعة المشتغلين بتاريخ علوم الرياضيات عند العرب قائلا :
(…لا شك في أن أرقامنا – سواء منها المستعملة في المشرق باسم الأرقام الهندية ، أو المستعملة في بلاد المغرب باسم الأرقام العربية – هي هندية الأصل …) .

العرب والمسلمون وحساب الجمل .

    فالمسلمون والعرب كانوا يستعملون قبل انتشار الأرقام الهندية وما آلها من تطوير نظام [ حساب الجُمل ].حسب الشكل أدناه ، فقد وجدت وثيقة عن ذلك في مكتبة الموهوب أولحبيب ببني ورثيلان ، مفادها أن المسلمين وإلى وقت مـتأخر كانوا يستعملون حساب الجمل في تدوينهم ، فجملة ( شفعج ) في هذه المنسوخة التراثية الأمازيغية قيمتها العددية هي 1873 ،وقد سبق لابن خلدون الذي عاش في القرن مخضرما بين القرنين الرابع والخامس عشر أن أشار في مقدمته إلى هذا النوع من الحساب وأفرد مثالين منه : ( رف) = 280 ، و ( رك ) = 220 , وعلى منواله نجد أن (سمج ) قيمتها (343) و العدد ( 45 ) يقابله بحساب الجمل حرفا الهاء + الميم (هم ) وهكذا ………. فعندما نريد التأريخ للسنة الحالية نقول عبارة 🙁 ششيه ) ، فالشين مضاعفة تعني ألفين ، والياء عشرة ، والهاء بمرتبة الآحاد قيمتها خمسة .

    الغريب في الأمر أن للمغاربة الأمازيغ ترتيب خاص للحروف يخالف عرب المشرق ، فإن كانت رُتبة الآلاف عندنا في المغرب هي حرف[ ش ] فإن المشارقة العرب هي حرف [ غ] حسب الجدولين أسفله ،فهي عند الأمازيغ : ابجد ، هوز ، حطي ، كلمن ، سعفظ ، قرست ، ثخذ ، ضغش

وعند عرب المشرق :ابجد ، هوز ، حطي ، كلمن ، سعفص ، قرشت ، ثخذ ، صظغ .

قيمة وترتيب الحروف عند عرب المشرق .

فالفارق بينهُما هو(ترتيب ) خمسة من الحروف هي : (ظ) ( س ) (ض) ( غ) ( ش) .

قيمة وترتيب الحروف عند عرب المشرق
قيمة وترتيب الحروف عند عرب المشرق

فالمغارب الأمازيغ والمشارق العرب [1] كلاهما ساهما في بلورة وتطوير حساب الجمل عبر الزمن .وكل ذلك يوضح أن المغارب الأمازيغ عبر تاريخهم الإسلامي يعبرون غالبا عن تميزهم في شتى مجالات الحضارة .وسنتعرف لاحقا عن دورهم في تثمين وتطوير [الأرقام الغبارية المغاربية ] وكيف انتقلت إلى أوروبا لتغدو رقما عالميا صعبٌ زحزحته في سجلات التعامل الدولي .

[1] المهتمون بحساب الجمل حسب مبحث ( جمال الدين مشهد) كثيرون سواء في المشرق أو المغرب :
فقد رجح أن يكون الأتراك خلال القرن التاسع الهجري (857) هم من بدأ حساب الجمل وذكر من المشارقة :
سبط المراديني 1422/1506 فلكي ورياضي / أبو معشر الفلكي البلخي الفارسي (787/886 ) الأكثر شهرة في الفلك عند المسلمين / جلال الدين السيوطي (1445/1505 ) في كتابه الرحمة في الطب والحكمة .
ابن العربي (1165/ 1240 )/ والبتاني في زيج الصابي / وغياث الدين الكاشي الفارسي في مفتاح الحساب .

اما في المغرب الأمازيغي الإسلامي فقد برع عديد من الفلكيين الذين استخدموا حساب الجمل في أعمالهم وأبحاثهم وتأليفهم منهم :
أبو العباس السبتي المغربي / محمد بن ناصر الدّرعي ،/ الحطاب يحي بن محمد ، وكتابه(وسيله الطلاب لمعرفه الليل والنهار بطريق الحساب) ، / المكناسي محمد السباق الرضواني المهتم بالرياضيات / المراكشي اين اللبانة الخ …
ومن الجزائرتخصيصا : ابن سبعين عبد الحق ، الحيرالي علي بن حسن البجائي ، / أحمد بن علي البوني (1125) ( صاحب شمس المعارف الكبرى) ، / الفقيه عبد الرحمن الأحضري البسكري (1515/ 1575) صاحب السراج في علم الفلك، / محمد الحباك التلمساني ، (1463)صاحب تحفة الحساب في أعداد السنين والحساب / ابن قنفذ القسنطيني( ، 1340/ 1407 ) صاحب كتاب سراج الثقات في علم الاوقات.

   كان مسلمُو الشرق من العرب وغير العرب تماهُوا مع الأرقام الهندية وساهمُوا في تطوير استعمالها ، فهُم من مصر إلى اليمن وإلى العراق توظف حاليا ( الرقم الهندي) في تعاملاتها وقيدها ، حتى أصبح جزءا من هويتها القومية ، فرغم الجهود المبذولة في استبدالها بالأرقام الغبارية المغاربية إلا أن جدار صد قومي عربي يتمنع عن ذلك لأسباب جلها ذاتي لا موضوعي ، فكيف وأن الأرقام عربية وهم لا يستعملونها ؟؟؟

   فإن كان العرب قد تميزو بالرقم الهندي الهوائي ذو الصفر النقطة(.) الذي وصل إلى مغربنا إحتكاكا وتأثرا بالمشارقة غير أن هذا الرقم (الهندي العربي ) الذي أسَاسه تكرارُ رسم (شكل الأهلة) وتمام البدر عند العدد( خمسة ) دائريا ،فهي ( أرقام مُشكلة من هلال وأهلة مركبة ) ، استهجنه الأجداد بدعوى أنّه من صور الوثنية ، فأنتجوا بدلها (الأرقام الغبارية ) ذو صفر الدائرة (0) بحساب عدد الزّوايا في كل عدد، فالواحدُ بزاوية واحدة ، وثلاثة بثلاث زوايا ….. وهكذا … ، ولعل دور الزّوايا القرآنية الأمازيغية بكثرتها ساهمت في رقيّ الأعداد الغبُارية ونمائها وانتشارها ، و سميّت بذلك الإسم لرش الغبار على لوح يستعمل لإجراء الحساب رسمًا بالأصبع، أو بقلم خاص يسمى غباري .

 

     لحد الآن لم أعثر على دليل ملموس يخلخل قناعاتي بأن هذه الأرقام ليست أمازيغية ، فقد عُثر بالمكتبة العامة بالرباط على مخطوط قيم لكتاب عنوانه : (تلقيح الأفكار في العمل برسم الغبار) (رقم كـ 222 ) من تأليف أبي محمد عبد الله (أبو عبد الرحمن بن حجاج) المعروف (بابن الياسمين) الذي ولد بفاس أواسط القرن السادس الهجري ،وهو أمازيغي من بني حجاج بقلعة فندلاوة، أخذ العلوم الرياضية عن شيخه محمد بن قاسم ،وقد قال عنه ابن الأبّار في التكملة : “وله أرجوزة في الجبر قرئت عليه وسمعت منه باشبيلية في سنة 587 هـ (ص 531) وكان أحد خدام المنصور ووالده الناصر كما في “الدخيرة السنية” ، وتوجد نسخ من أرجوزته في الجبر والمقابلة بخزائن بارزي ،وبرلين، وأكسفورد ،والاسكوريال والقاهرة، ومن شراح تلك الأرجوزة ابن الهانم ، والقلصادي في كتابه [تحفة الناسمين في شرح أرجوزة ابن الياسمين].

    في الجزائر ، وفي منطقة أزرو – يفلان (الجبل المثقوب) من بني ورثيلان ، هناك في قرية – صغيرة تعرف بتلا وزرار، ولجت العالم الرقمي بمكتبتها الغنية بالمخطوطات النّادرة ، بفضل جهد أحد أبنائها (جمال الدين مشهد ) بتفعيل المكتبة وإدخالها عالم الرقمنة بمساعدة هيئات ومنظمات عالمية ، إنها مكتبة أفنيق (خزانة ) [الشيخ الموهوب أولحبيب ] ، في هذه الخزانة توجد حقائق عن الأرقام الغُبارية ، وقد استعان بها المشرف على المكتبة بإنتاج بحث قيم- اعتمدته جامعة ( نابولي الإيطالية) – حول تلك الأرقام التي روج الغرب على أنها عربية ، وما هي بعربية وإنما هي توهمُ وخلط ُ الغربيين فيما بين ( العربي ، والمسلم ) وظنهم بأن كل ( مسلم عربي) ، فالأرقام في تقديري أمازيغية أصيلة إلا أن يثبت العكس ؟ ويمكن الإطلاع على البحث من خلال هذا الرابط (من هنا)

الأرقام الغبارية الأمازيغية تنتقل إلى أوروبا .

مجهودات عديدة بذلت لتحسين الأرقام الغبارية وتطويرها من خلال هذه الصورة (من مخطوطات مكتبة أفنيق) :

    لا شك وأن الأمازيغ قبل الإسلام استخدموا الأرقام الرومانية المعقدة ، [CDLXXXVII ] وبعد الإسلام برعوا في استخدام أرقام خاصة بهم عرفت رواجا في بلاد المغرب والأندلس ، وانتقلت تلك الأرقام الأمازيغية الغُبارية نحو أوربا .

   فأول مخطوط أوربي تضمن الرقم الغباري يحمل اسم ( le codex vigilanus )كتب في عام 976 م ، و في القرن العاشر الميلادي تعلم القس الفرنسي ( جربرت دورياك Gerbert d AURILLAC ) – الذي أصبح بابا الكنيسة الكاثوليكية عام 1000 للميلاد – الأرقام الغبارية عند الأندلسيين ( المُور ) ونشرها في فرنسا وأوربا وسط رجال الدين في الأديرة والكنائس .
°° وبعد قرنين من الزمن وفد َ على الناصرية (بجاية ) التي ما إن مثلها بلد ، شاب إيطالي بزيٌّ PIZA ، رفقة والده المندوب التجاري البيزي في الجزائر ( نسبة لمدينة بيزا الإيطالية ) اسمه [ليوناردو فيبوناتشي leonardo fibonacci] 1170/ 1250 تعلم في أحضان مدارسها وجامعاتها الحساب والرياضيات ، وأعُجب بالأرقام الغبارية ومرونتها ومهارة الناس في استخدامها في تعاملهم التجاري ، ونقل الأرقام التسعة ومعها الصفر نحو بلاده مؤلفا لكتاب Liber Abbaci الذي بسط فيه ما تعلمه من فنون العد والأرقام والحساب والهندسة على أساتذته في جوامع ومدارس بجاية الحمادية .

العالم يكتشف الأرقام في بجاية :

 

إن كانت الأرقام عربية … لما لا يعتمدونها في بلدانهم ؟

   جهود عديدة قام بها ذوو النية الحسنة ، ففي مصر دراسات عديدة أثمرت وأنبأت بأصالة الرقم الغباري المغاربي في حضارة الإسلام والمسلمين وكانت دعوة لتبنيه ، وفي العراق فشل مشروع تبني هذه الأرقام فصعب ٌ عليهم ترك ما ألفوه ، واقترح مجمع اللغة العربية بالقاهرة إحلال الأرقام الغبارية المستعملة في المغرب الإسلامي محل الأرقام الهندية المنتشرة في بلاد المشرق العربي بحجة أن الأولى هي الأرقام العربية الأصيـــــــــلة، وفي تونس عقدت حلقة دراسية سنة 1963 غرضها الأساس ( تعميم استعمال الأرقام الغبارية في كل الوطن العربي ) ، والتزمت إدارة الثقافة في جامعة العرب على إصدار تعليماتها الملزمة لكل أعضائها بتبني هذه الأرقام لإبراز وحدتها وتجَانُسها ، وعرضت القضية على المؤتمر الثاني للتعريب بالجزائر1973المكلف (بالرموز والأرقام) بحضور نخب العرب من دولهم العديدة ، غير أن تلك الجهود لم تُثمر نَجاحًا بعدُ لوجود تيارات و تبايُنات في الطرح وتوجسات من تقليد (المغارب) و( الغرب ) ، حتى لا يصدق فيهم حديث […حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم…].

المبتغى من القول :
وإن حاول الشرق ابتلاع جهد المغاربة واحتوائه وتدجينه في مجالات ( السيف) و(المغامرة ) و(الحضارة)و(الرياضة ) …. ، فإن ( جند الجيل الجديد) قادرٌ على تخليص المختلط من الموروث لتبيان حقائق الأمور ، فالمغاربُ وإن دانوا بالإسلام ، ونطقوا بلسان القرآن ، فهم متميزون في علومهم ، وآدابهم ، وثقافتهم ، وتاريخهم ، وسهولة تأثرهم المتبادل بالجوار المتوسطي والإفريقي .

بقلم الأستاذ الباحث : الطيب أيت حمودة 

المصدر: الحوار المتمدن

عن ⵜⵓⵜⵍⴰⵢⵜ

شاهد أيضاً

الأمازيغ بين الدونتة والخورجة.

   قربُ بلاد الأمازيغ من الدول الطامحة للتوسع قديما وحديثا ، شكل من ساكنتها شعبا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *