الرئيسية / أقلام حرة / مدى المساواة بين اللغتين الأمازيغية  والعربية في الدستور الجزائري

مدى المساواة بين اللغتين الأمازيغية  والعربية في الدستور الجزائري

 بعد سنوات من النضال السلمي من أجل الإعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية و رسمية، جاء التعديل الدستوري لسنة 2016، ليضفي طابع اللغة الرسمية للغة الأمازيغية بعد ان اعتمدت لغة وطنية سنة 2002 ،إلا أن الجدل ما يزال قائما حول مكانة هذه اللغة في الدستور، و الأثار المترتبة عن الإعتراف بها كلغة رسمية الى جانب اللغة العربية ، و فيما يلي سنتناول ترسيم هذه اللغة في الدستور الجزائري و أثار ذلك، و سنقارن مكانتها بدساتير  الدول التى تبنت ثنائية لغوية كجمهورية العراق و كندا.

أولا :اضفاء طابع الرسمية على اللغة الأمازيغية:

        تم اقرار اللغة الأمازيغية كلغة رسمية بموجب التعديل الدستوري(1) لسنة 2016،من خلال الفقرة الأولى من مادته  الرابعة  التى أكدت أن   تمازيغت هي كذلك لغة وطنيّة ورسميّة”.
وكذلك تم تعديل المادة الثالثة من نفس الدستور التى نصت الفقرتين 1و2على:

اللّغة العربيّة هي اللّغة الوطنيّة والرّسميّة.

تظل العربيّة اللّغة الرسميّة للدّولة.

 و بخصوص هذا الترسيم  صرح رئيس الجمهورية أنه قد” أرسى نهائيا امتلاك الشعب الجزائري برمته للغة الأمازيغية، التي هي أيضا لغة وطنية ورسمية، كعامل تماسك إضافي لوحدته الوطنية وفي الوقت ذاته  كلفت الأمة الدولة بترقيتها وتطويرها“(2) ، و هو الرأي الذي ذهب اليه المجلس الدستوري الذي رأى  أن اعتبار اللغة الأمازيغية هي كذلك لغة وطنية ورسمية والعمل على توفير شروط ترقيتها، تصبا في إطار حماية وترقية مكونات الهوية الوطنية .(3)

       لكن، و رغم تكريس اللغة الأمازيغية لغة وطنية و رسمية ، إلا أن عدة انتقادات وجهت لطريقة صياغة المادتين 3 و 4 من الدستور و مدى المساواة بين اللغتين العربية و الأمازيغية باعتبارهما لغتين رسميتين، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عبد القادر كاشير أن صياغة  الفقرة الأولى من المادة الثالثة جاءت معرفة بالألف و اللام : اللّغة العربيّة هي اللّغة الوطنيّة والرّسميّة”، أما الفقرة الأولى من المادة الرابعة فجاءت نكرة : تمازيغت هي كذلك لغة وطنيّة ورسميّة“، اضافة الى أن الفقرة الثانية في المادة الثالثة ” تظل العربيّة اللّغة الرسميّة للدّولة.جاءت بصيغة المفرد ،  هنا يطرح تساؤل بخصوص مكانة اللغة الأمازيغية ،فإذا كانت اللغة العربية لغة رسمية للدولة ، فالأمازيغية هي رسمية لمن ؟ هذه الصياغة تجعل نية المؤسس الدستوري غير محايدة، فمبدأ المساواة يقضي أن تأخذ الامازيغية نفس مسار اللغة العربية.

عكس ذلك، فإن المؤسس الدستوري العراقي سوى بين اللغة العربية و الكردية بصريح العبارة في الدستور الصادر سنة 2005، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة 4 منه على اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق، ويضمن حق العراقيين بتعليم ابنائهم باللغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية وفقا للضوابط التربوية، أو بأية لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة”.(5)

                ونفس المسار انتهجته قبلها كندا التي أصدرت قانونا حول اللغات الرسمية الصادر سنة ، 1969، المعدل سنة 1988 و الذي نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية منه على:” ضمان احترام اللغتين الفرنسية والإنكليزية كلغتين رسميتين في كندا، ومساواتهما في المركز، وحقوقهم ومزاياهم المتساوية في المؤسسات الاتحادية، ولا سيما فيما يتعلق بالمناقشات وأعمال البرلمان والتشريعات وغيرها من القوانين، وإقامة العدل، والاتصالات مع الجمهور، وتوفير الخدمات، وتنفيذ أهداف تلك المؤسسات(6)

ثانيا:أثار اضفاء طابع الرسمية على اللغة الأمازيغية:

إن منح طابع الرسمية للغة الأمازيغية بمقتضى الدستور، لم يوضح فيه  من خلاله المؤسس الدستوري أثار الطابع الرسمي للغة، عكس الدستور العراقي الذي حدد آثار الطابع الرسمي للغة ، حيث  أضافت الفقرة الثانية من المادة 4 من الدستور العراقي على أن :” يحدد نطاق المصطلح لغة رسمية، وكيفية تطبيق احكام هذه المادة بقانون يشمل

أ. اصدار الجريدة الرسمية باللغتين

ب. التكلم والمخاطبة والتعبير في المجالات الرسمية كمجلس النواب، ومجلس الوزراء، والمحاكم، والمؤتمرات الرسمية، بأي من اللغتين .

 ج. الاعتراف بالوثائق الرسمية والمراسلات باللغتين واصدار الوثائق الرسمية بهما

د. فتح مدارس باللغتين وفقا للضوابط التربوية

ه. اية مجالات أخرى يحتمها مبدأ المساواة، مثل الاوراق النقدية، وجوازات السفر، والطوابع”

 و في الجزائر ، يفترض نظريا تمكين اللغة الأمازيغية  من الولوج الى كافة المرافق الرسمية للدولة من أجهزة الحكومة، و البرلمان و الإدارات و العدالة، و تستعمل في تحرير السجلات العمومية و الوثائق الرسمية، وكذلك المؤسسات الخاصة التى تتعامل مع المواطنين.(7)

لكن طابع الرسمية قيده المؤسس الدستوري ، بأن يكون تدريجيا  ، حيث  أن أن يتم أولا العمل على ترقية هذه اللغة و تطويرها بكافة تنوعاتها اللسانية و أنشاء أكاديمية تكلف بتوفير شروط ترقيتها قصد وضعها لغة رسمية فيما بعد ، عن طريق  صدور قانون عضوي يفصل في أثار اضفاء طابع الرسمية على اللغة الأمازيغية، الذي أشارت اليه الفقرات:1و 2 و3 من المادة الرابعة من التعديل الدستوري لسنة 2016 التى نصت على :

“… تعمل الدّولة لترقيّتها وتطويرها بكل تنوّعاتها اللّسانيّة المستعملة عبر التراب الوطني.

يُحدث مجمّع جزائري للّغة الأمازيغيّة يوضع لدى رئيس الجمهورية.

يستند المجمّع إلى أشغال الخبراء، ويكلّف بتوفير الشروط اللاّزمة لترقية تمازيغت قصد تجسيد وضعها كلغة رسميّة فيما بعد.

تحدّد كيفيّات تطبيق هذه المادّة بموجب قانون عضوي.

      فقد تم التنصيص في الدستور على استحداث هيئة دستورية تضم خبراء جزائريين مختصين يناط بها دور العمل، على تطوير وترقية اللغة الأمازيغية لتصبح فيما بعد لغة رسمية، فالرسمية بهذه الصيغة ، دستوريًا، مشروطة، بقيد موضوعي وقيد زمني:  القيد الموضوعي يتمثل في العمل على ترقيتها أولا، وتوحيدها، ومن ثم العمل على نشرها في مختلف ربوع الوطن، أما القيد الزمني، فهو ،ناتج عن تطور وتوحيد اللغة الأمازيغية، لكي لا يحدث إلتباس أو صعوبات في تطبيقها. (8)

وعلى الصعيد العملي، سعت رئاسة الجمهورية عن طريق المحافظة السامية للأمازيغية  للعمل على ترقية هذه اللغة و توسيع انتشارها في منظومتي التعليم و الإعلام لتجاوز بذلك لتشمل العديد من القطاعات و من هذه القطاعات قطاع القضاء  و ذلك  عن طريق اقتراح  إدراج اللغة الامازيغية في منظومة التكوين لمختلف المؤسسات التابعة لقطاع العدالة لتعزيز تواجد هذه اللغة في المؤسسات والمرافق العمومية.(9)

رغم الإعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية و رسمية ، إلا أن مكانتها تبقى أدني من مكانة اللغة العربية التى نص الدستور على أنها تضل اللغة الرسمية للدولة،لكن الدستور على عاتق الدولة إلتزاما بترقية و تطوير و توحيد هذه اللغة و تمكينها من استعمالها في الميادين الرسمية من ادارات و اعلام و عدالة،و لن يتم ذلك إلا بتوفر الإدارة السياسية الحقيقية لدى السلطة، و بالتالي سيبقى النضال مستمرا لأجل تحقيق ذلك، بعيدا عن النقاشات البزنطية حول الحرف الذي سوف تكتب بها، فالتحديات أكبر و أثقل من قضية الكتابة .

بقلم  : موزاوي علي، استاذ جامعي ،

 كلية الحقوق و العلوم السياسية ،جامعة مولود معمري – تيزي وزو.

mouzaouiali@yahoo.fr

الهوامش:

1 – عدل الدستور بالقانون رقم:16-01، مؤرخ في 06 مارس 2016، يتضمن التعديل الدستوري، ( ج,ٍ ر ,رقم 14، لسنة 2016).

2- بيان مجلس الوزراء، ليوم الأربعاء 27 ديسمبر2017.

3- رأي المجلس الدستوري رقم 16/01 ر.ت د/م د المؤرخ في 18 ربيع الثاني 1437 الموافق 28 يناير 2016،يتعلق بمشروع القانون المتضمن التعديل الدستوري.( ج ر رقم: 6 لسنة 2016).

4 – Abdelkader Kacher. Professeur des universités en droit international : «Il y a manque de volonté politique pour l’officialisation de tamazight»,Op-cit.

5 – دستور العراق لسنة 2005، انظر الرابط: من هنا .

6 – Traduction non officielle de L’alinéa 1 de l’article 2 de la Loi sur les langues officielles de 1988 se lisait comme suit :

« a) d’assurer le respect du français et de l’anglais à titre de langues officielles du Canada, leur égalité de statut et l’égalité de droits et privilèges quant à leur usage dans les institutions fédérales, notamment en ce qui touche les débats et travaux du Parlement, les actes législatifs et autres, l’administration de la justice, les communications avec le public et la prestation des services, ainsi que la mise en oeuvre des objectifs de ces institutions; » . source :ici

 7 – Said GADA, interview :Abdelkader Kacher. Constitutionaliste : «Tamazight est confinée dans un statut incertain…», In El-WATN , du 15 mars 2016.

8 – خالد شلبي، » قراءات أولية في لبّ التحولات الدّستوريّة بالجزائر « ، المصدر: من هنا

9 – اقتراح إدراج اللغة الأمازيغية في المؤسسات التكوينية التابعة لقطاع العدالة، وكالة الانباء الجزائرية، يوم 24-11-2016,

 

 

 

عن ⵜⵓⵜⵍⴰⵢⵜ

شاهد أيضاً

كيف تدرّس الأمازيغية (القبائلية)

        بدايةً من الضروري بمكان التمييز بين التعليم والتعلّم المدرسي أو الأكاديمي للغة وثقافة ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *